تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يكون خير من هذا الجواد، ولكن الميدان كان يخلو من الجياد. ولعل أبعث على

الشك من ذلك أن يستطيع الشريفيون الجري إلى آخر الشوط. وليس بين هذه

العروش الشريفية الثلاثة عرش واحد قوي الدعائم غير قلق. وأقل ما يقال في

مركز الأمير عبد الله: إنه خطر. أما فيصل فمستورد كأخيه عبد الله! ويزيد في

ضعف مركزه أن عليه أن يرد مقاومة الشيعة لملك سني. أما الحسين فإن ضراوته

على السلب ضراوة صارت مثلا مضروبا في الشرق قاصيه ودانيه - لم تجمع حوله

قلوب شعبه. وليس من الأسرار أن الأمراء الشريفيين أنفسهم ليس بينهم حب مفقود -

أي إنهم لا يحب بعضهم بعضا - وليست العواطف السامية التي يتبادلونها علنا

لسوء الحظ إلا حجابا رقيقا يشف عن التحاسد والاسترابة المتبادلة. وقد بقي أن

نعلم إلى أي حد يستطيع حسين وأولاده أن يواجهوا خصومهم متحدين. وليس

هؤلاء الخصوم بالذين يستطاع إغفال أمرهم، ولا ينقص الحسين أن يتعلم فن تغريم

الأجنبي، وقد بدأنا نسمع التذمر من الجهات التي يعنيها أمر الحج ولا سيما مصر.

هذا وليس في قيام اتحاد عربي تكون مكة مركزه والشريف رأسه الظاهر ما

يرتاح إليه العرب المسيحيون الذين لا يكتمون مخاوفهم الصحيحة. ولكن لبيت

الشريف أعداء أقوى وأشد. ولقد استهدف هذا البيت أكثر من مرة منذ قيام الحرب

لخطر تيار الوهابية المتضخم، فهناك في قلب بلاد العرب ابن السعود ذلك الرجل

القوي البأس جار الحسين ومزاحمه الذي لا تلين قناته، نعم إنه الآن مقيد، ولكن

من ذا الذي يسعه أن يضمن أن لا يصدع القيد متى ألفى نفسه محوطا بطائفة من

الدول الشريفية؟ وثم جهة أخرى لا ينتظر أحد أن تستقبل فيها المعاهدة بحماسة

شديدة، وشرح ذلك أن الفرنسيين غير مطمئنين في سورية وليس من شأن المعاهدة

أن تجعل مقامهم أسهل. ولا ينكر أحد أن لدمشق في الحركة القومية العربية دورا لا

يقل أهمية وخطرا عن دوري بغداد ومكة. ولا يكاد يعقل أن لا يكون لمنظر

انتصار القومية العربية في الظاهر في منطقة النفوذ البريطاني - رد فعل مقلق فيما

وراء الحدود السورية. وسيحتاج الموقف إلى الحذر في العلاج إذا أريد اجتناب

التعارض مرة أخرى بين بريطانية العظمى وفرنسا في الشرق الأوسط.

مدى المهمة وغايتها:

هذه بعض المصاعب لا مفر من مواجهتها، وليس في الكشف عنها زراية

على الغايات التي يراد من المعاهدة أن تؤدي إليها. ومن الخطأ أن تعد المعاهدة

عبارة عن محاولة لتسكين هامة مكاتبات مكماهون، فإن لها سببا معقولا يدعو إلى

عقدها. والحركة القوية العربية ليست في الوقت الحاضر إلا زورقا ضعيفا تطوح

به الأمواج إلى غاية غير محققة. ولكنها على ذلك حقيقة. ومن مصلحة التسوية

الوطيدة أن يهتدي هذا الزورق المتخبط إلى الميناء. وواضح جدا أن لبريطانية

العظمى ربحا من وراء إقامة كتلة عربية يمكن اتخاذها في يوم من الأيام لمواجهة

قوات أخرى في العالم الإسلامي أقل ميلا إلينا بالود (ليتأمل القارئ) ولعل هناك

من يطوون جوانحهم على آمال أوسع. ومن لا يزالون متعلقين بخيال الخلافة

العربية. ومهما يكن من الأمر فما يسع أحدا إلا العطف على مجهود حسن لإتاحة

الفرصة للشعب العربي أن يجدد شبابه وأن يحيي التقاليد المجيدة التي هو وارثها،

ولكن المعاهدة ليست أكثر من صيغة من الألفاظ، ولا يمكن أن تكون أكثر من ذلك،

وعلى العرب أن يخرجوا ما فيها إلى حيز الوجود، وسترى إلى أي مدى يستطيعون

ذلك، ولكن الحقائق القاسية التي تحيط بالموقف لا تشجع على التفاؤل المبالغ فيه.

اه.

***

(تعليق المنار على المقالة) :

نذكر قراء هذه المقالة الحرة الصريحة بأن يرجعوا إلى التأمل في فحوى

المسائل الآتية منها، فقلما يجدون مقالة لبريطاني في مثل صراحتها:

(1) إتمام ما سماه الكاتب الثالوث الشريفي بترقية الأمير عبد الله الذي هو

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣٣٣