صمويل في خطابه تلميحا جليا إلى أن المركز الجديد الممنوح للأمير عبد الله يجب
أن يفسر في ضوء المعاهدة التي توشك أن تعقد بين بريطانية العظمى ووالده الملك
حسين. وهذه المعاهدة هي آخر حلقة في سلسلة من المعاملات يرجع مبدؤها إلى
1915 فقد كان دخول الشريف في الحرب مسبوقا بمكاتبات طويلة غير حاسمة بين
مكة والقاهرة، وكانت آراء الشريف السياسية غامضة مضطربة، ولكن الذي كان
يتطلع إليه دون أن يستوضحه هو إنشاء إمبراطورية عربية بمساعدة بريطانية أو
على الأقل إقامة اتحاد عربي يدور على محور شريفي ولم يدخل الميدان إلا بعد أن
ارتبطت بريطانيا العظمى بتعهدات مفرغة في لهجة بيانية أكثر منها سياسية ولكنها
مشجعة كثيرا ولا ريب.
أوهام الملك حسين:
ولما أرادت بريطانية العظمى أن تصفي هذه التعهدات سارت على خطين
متوازيين فأنشأت من جهة كتلة من الدول الشريفية فاعترفت في 1916 بالشريف
حسين ملكا للحجاز. ولما آن الأوان وجد فيصل عرشا في العراق، وقد تمت الآن
الدائرة العائلية بإقامة عبد الله شرق الأردن. ولكنه من جهة أخرى لا يزال على
بريطانية العظمى أن تختم الحساب مع الملك حسين.
وقد هبطت بضاعة حسين هبوطا شديدا في ختام الحرب ولكنه كان بطيئا في
إحداث التلاؤم اللازم بين نفسه وبين مستوى السعر الجديد فظل عائشا في عالم من
الأوهام، سابحا في بحر من الخيالات، وكانت المعونة التي تبذل له تبلغ مائتي
ألف جنيه في الشهر في أثناء الحرب ولكنها في 1920 أنقصت حتى وصلت إلى
درجة الزوال، وظل رافضا أن يتعاقد وذهبت بعثة الكولونل لورانس إلى جدة
1921 ثم عادت تاركة كل شيء حيث كان. وفي أوائل هذا العام بدأت الحركة من
جديد ووصل إلي لندن عن طريق لوزان الدكتور ناجي الأصيل وهو آخر سلسلة
طويلة من رسل الشريف ثم آب إلي مكة بعد بضعة أسابيع يحمل في حقيبته
مشروع معاهدة. ولم يرض المشروع (الملك حسين) تمام الرضا ومال بحكم عادته
إلى طلب المزيد. والملك حسين مشهور بأنه مساوم شديد، ولكنه قد يجد إذا تعنت
أنه ضيع الفرصة، وأما إذا تغلبت المشورة التي يمليها الحزم فليس ثم ما يمنع أن
تكون المعاهدة مجهزة بعد قليل للتوقيع، وقد صارت نقط المعاهدة الهمة ملكا شائعا
للجمهور، نعم إن لندن لم تصدر بها بيانا رسميا، ولكنه بسبب الضغط الذي
أوجدته سلسلة من الحماقات في مكة والقاهرة [1] نشرت حكومة فلسطين خلاصة
رسمية منذ بضعة أسابيع. وفي هذه المعاهدة تتعهد بريطانية العظمى بأن تؤيد
وتعترف باستقلال العرب في العراق وغبر الأردن وشبه جزيرة العرب. وإذا
أرادت الدول العربية أو واحدة منها (أن تدخل في اتحاد جمركي أو غيره بقصد
تكوين اتحاد علي مر الأيام) فإن بريطانية العظمى تضع خدماتها تحت تصرفها.
والغرض من باقي المعاهدة تنظيم العلاقات بين بريطانية العظمى ومملكة الحجاز
نفسها.
وهذا البرنامج المتواضع تواضعا نسبيا دون المشروعات الضخمة التي
غصت بها الأحلام في أيام سنة 1915 الهادئة! ولكن المعاهدة على هذا هي فاتحة
مرحلة محدودة مهمة في تطورات السياسة البريطانية في الشرق الأوسط. ومعلوم
أن بلاد العرب الداخلية مرجل يغلي، وليس لبريطانية العظمى رغبة ما في غمس
يديها أكثر مما لا بد منه. ولكن لها (لبريطانية) على الحافة الخارجية للعالم
العربي آمالا في إنشاء طائفة من الدول المتمدينة تمدينا نسبيا يمكن أن تتكون منها
على الزمن نواة صالحة لاتحاد عربي، والواقع أن للمعاهدة دلالتين: فمعناها من
جهة أن بريطانية العظمى ستربط نفسها بعلاقات وثيقة دائمة مع الشعوب العربية،
ومعناها من جهة أخرى أن بيت الشريف هو المحور الذي تدور حوله هذه العلاقات.
ثلاثة عروش قلقة:
وقد قالوا في بعض الأحيان: إن بريطانية العظمى بمظاهرتها للشريف إنما
تراهن على غير الجواد الرابح. والجواب عن ذلك أنه قد يكون في الإسطبل أو لا