تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يتخلَّ عن قومه ، واعتذر عنهم ، ودعا لهم ، وتفاءل أن تأتيهم ذرية طيبة ، إذاً أرحم الخلق بالخلق هو رسول الله ، ومع ذلك قال تعالى : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ

( سورة آل عمران : من آية " 159 " )

يعني بسبب رحمة استقرت في قلبك ، رحمة تنكير ، تصغير ، ماذا قال أيضاً ؟ .. وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ

( سورة الكهف : من آية " 58 " )

الرحمة كلها عند الله عزَّ وجل ، فمن أجل أن تعلم مَن هو الله ؟ أتلقي هذه بولدها إلى النار ؟ قالوا : لا . قال : ((لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا)) .

تروي الكتب أن سيدنا موسى مرَّ بامرأةٍ تخبز خبزاً ، ووضعت على التنور ابنها الصغير ، فكلما وضعت رغيفاً في التنور ضَمَّت ابنها ، وشمَّته ، وقبَّلته ، تعجَّب هذا النبي الكريم من هذه الرحمة ، وقال : يا رب ما هذه الرحمة ؟! قال : يا موسى هذه رحمتي أودعتها في قلب هذه الأم ، وسأنزعها ، فلما نزع الله الرحمة من قلبها بكى فألقته في التنور ، قصة رمزيَّة معبِّرة .

أي إذا وجدت أبًا يقبِّل ابنه ، إن وجدت أماً تجوع ليشبع ابنها ، تعرى لتكسو ابنها ، تُقَتِّر على نفسها ليتعلم ابنها ، هذه رحمة الله في قلب الأم ، لذلك إذا أحبك الله ألقى محبته في قلوب العباد إليك ، ومن أجمل ما قرأت : " أنك إذا أطعت الله فيما بينك وبينه ألقى حبك في قلوب الخلق ، وإذا عصيته فيما بينك وبينه ـ دون أن تشعر وبلا سبب ـ ألقى بغضك في قلوب الخلق " .

لذلك قالوا :"ما أخلص عبدٌ لله إلا جعل الله قلوب المؤمنين تهفوا إليه بالمودة والرحمة ".

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٥٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٥٨٨