من المكتب كان والده يعتمد عليه في حفظ الدروس؛ إذ كان يستصحبه معه مساء
لمطالعة الدروس الأزهرية فحفظ على حداثته بعض المتون، فقوي رجاؤه فيه.
أدخله والده مدرسة الجمالية الأميرية فظهر على أقرانه وكان يحفظ لنفسه
المكان الأول في كل فرقة من فرق المدرسة. ولم تشغله دروسها الكثيرة عما جرى
عليه قبلها من مطالعة الدروس لنفسه ولوالده فكان يواظب على ذلك في المساء بعد
الخروج منها فرسخت ملكة الدرس وحب العلم في نفسه.
وبعد نيل شهادة الدراسة الابتدائية أدخله والده المدرسة الخديوية الثانوية فمكث
فيها أربع سنين كان في خلالها مطمح أنظار المعلمين والتلاميذ.
وكان قد بلغ السن التي يستقل فيها بنفسه فكان يختلف وحده إلى الأزهر في
أوقات الفراغ يحضر الدروس على مشاهير العلماء كالأستاذ الإمام والشيخ حسين
زائد والشيخ سليم البشري وغيرهم، فأخذ عنهم من العلم شيئا كثيرا حتى أصبح
يناقش والده مناقشة الند للند. وبعد حصوله على شهادة الدراسة الثانوية وبعد أن
قضى سنتين معلما بمدرسة محمد علي الأميرية مال إلى صناعة التعليم فدخل
مدرسة المعلمين العالية ومازال يحفظ لنفسه المكان الأول فيها حتى نال شهادتها
سابقا جميع أقرانه ولا سيما في العلوم العربية والرياضية على الأخص.
كان حينئذ قد بلغ الثامنة عشرة من عمره فعين مدرسا بمدرسة المنصورة
الأميرية فأظهر من البراعة في العلم والتعليم ما لم يسبقه به أحد، ونقل في العام
الثاني إلى مدرسة شبين الكوم الأميرية ولم يمض عليه العام المدرسي حتى عين
ناظرا لمدرس إدفو الأميرية سنة 1905. ومن ذلك الحين أخذت مواهبه العالية
تظهر بين أفاضل الرجال فكان على حداثته وبحكم مركزه يخالط أكابر القوم
وخواصهم وكان يظهر عليهم جميعا، وعشقوا فضله فكانوا يودون لو يلازمونه ليلا
ونهارا. وكان رؤساء الوزارة يضربون به المثل في حسن الأخلاق وإدارة المدارس.
ومكث في إدفو ثلاث سنين تزوج في خلالها من ابنة خالته ثم نقل من إدفو إلى
المدرسة الحسينية بالقاهرة بالرغم من اعتراض المستر دنلوب مستشار وزارة
المعارف في ذلك الوقت؛ لأنه لم يجد منه ذلك التزلف والتملق اللذين كان يحب أن
يتصف بهما جميع مرءوسيه وإنما نقله إلى مصر سعد باشا غلول أيام كان وزيرا
للمعارف سنة 1908 ومكث بمدرسة الحسينية ثلاث سنين كان خلالها موضع
إعجاب المفتشين الأجانب منهم والوطنيين. حتى كان الشيخ حمزة فتح الله رحمه
الله يلقبه بسيد النظار. وكان إطراء المدرسين له في تقاريرهم يزيد المستشار
غضبا على غضبه منه. وعرفه في ذلك الحين الأستاذ الشيخ عبد العزيز شاويش
واتخذه صديقا عزيزا، وكان يلح عليه أن ينضم إلى الحزب الوطني إلا أنه رحمه
الله كان لا يميل إلى حزب سوى (حزب الله) فإنه هو الغالب.
ثم نقل سنة 1909 إلى مدرسة سوهاج الأميرية وكانت الفوضى ضاربة
أطنابها في تلك المدرسة من قلة المدرسين بها فأخذ يشتغل رحمه الله في المدرسة
مدرسا. وكان ما عليه من الدروس يزيد على دروس سائر المعلمين حتى خرج من
الأزمة مكللا بالفوز فأثنت عليه جريدة العلم المصرية حينئذ لحسن قيامه بالواجب.
فزاد ذلك المستشار كمدا على كمده، وسافر إلى سوهاج وقامت بينهما مجادلات كان
رحمة الله عليه الفائز فيها بالحق إلا أن الغطرسة الإنجليزية قضت بتعيينه بعد ذلك
مدرسا للترجمة بالمدرسة التوفيقية جزاء لما قام به من الخدمات الجليلة لوزارة
المعارف (؟) ومكث فيها تسع سنين كان فيها موضع إعجاب المفتشين والناظر،
ومهبط ظلم المستشار وأعوانه. حتى إنه لم يمنحه في خلال هذه المدة الطويلة من
زيادة المرتب سوى جنيهين مصريين، وما كان ذلك ليفت في عضده، أو يغير من
يقينه، بل كان ثابتا على الحق.
ولما كان مبدأ الحركة المصرية سنة 1919 انهالت على وزارة المعارف
العرائض والتقارير أنه كان من أشد أنصار الطلبة، ومن أكبر المحرضين لهم على