تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للقيام بما يجب علي في عملي، فإذا لم يرضهم هذا فما يرضيهم؟ وهو يعلم أن

الذي يرضي دنلوب عنه هو الذي يسخط عليه الله عز وجل، فكان يؤثر رضاء الله

تعالى على رضاء دنلوب ومفتشيه وأعوانه، وما وراء ذلك من توالي زيادة الراتب،

وارتقاء المناصب، وقد جربوا أن يفتنوه بالترغيب أو الترهيب، فعصمه الله

تعالى منهم.

حصروا عمله مرة في تعليم اللغة الإنجليزية للطلبة والمعلمات الإنجليزيات

حتى لا يجد لخدمة الدين واللغة العربية سبيلا، فرأوه قد توسل لخدمة اللغة العربية

وبث الآراء الصالحة في التلاميذ بتعليم الترجمة وما يختاره لها من الكلام، أبعدوه

عن مصر إلى إدفو في أقصى الصعيد على ما يعلمون من نحافته وقلة احتماله،

وذلك من العقوبات الخفية التي يعرفها أهلها - فأثر ذلك في جسمه ولم يؤثر في

نفسه، وكان أخوه كاتب هذا هو الذي عرض أمره وبين فضله لسعد باشا زغلول إذ

صار وزيرا للمعارف فنقله إلى القاهرة وجعله ناظرا للمدرسة الحسينية.

وكان في خدمته الوطنية مصداقا لقول قاسم أمين: إن الوطنية الصادقة هي

التي تعمل ولا تتكلم. فهو لم يكن متصلا بحزب من الأحزاب السياسية، ولا من

الذين يترددون على بيت الأمة (دار سعد زغلول باشا) على إجلاله لسعد وشكره

لجميله، بل كان يضع لكل عمل نافع نظاما، ويستعين على تنفيذه بخلص أصدقائه

متحريا أن يكونوا قليلي العدد، وأن لا يذكروا اسمه لأحد يعمل معهم، كأنه وهو

يفعل المعروف الذي يستحق به الفخر، يأتي منكرا فيتقي سوء الأحدوثة والذكر.

ومثال ذلك أن العشرات من الألوف في أرجاء القطر قرأوا رسائل في الحث

على إقامة أركان الدين مع بيان أهم أحكامها وحكمها وفي النهي عن المنكرات وبيان ما

عمت البلوى بجهله من أحكام المعاملات كأحكام الرضا - ولم يعلم إلا القليل منهم أن

هذا العمل من جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، برأيه وإرشاده، وأنه هو

المقترح له، ولا أن مكانه منها مكان القطب من الرحى، ولذلك لم تعمل عملا يذكر

منذ فارق القاهرة.

وكان من تدينه وعقله أن لا يعمل عملا غير مشروع سواء في ذلك الوسيلة

والمقصد، فكان على مذهبنا في أن الباطل لا يكون موصلا إلى الحق، والشر لا

يكون طريقا إلى الخير.

وجملة القول: إن محمد وهبي كان من شهداء الله وحججه على خلقه، وكنت

أرجو أن يكون خير عون وظهير لي على ما أرجو من تجديد دار الدعوة والإرشاد

ومن إحياء السنة بالعلم والعمل والتأليف وطبع الكتب المفيدة على الوجه الذي يعم

به نفعها، فكان المصاب بوفاته أشد علي منه على أهله وولده وسائر أصدقائه،

أسأله تعالى أن يتغمده برحمته ورضوانه ويجمعنا به في مقعد صدق عند مليك مقتدر،

وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

***

ترجمة حياته

بقلم أعرف أصدقائه بسيرته

ولد - رحمه الله - بالقاهرة بجهة بيت القاضي التابعة لقسم الجمالية في أواخر

ذي القعدة سنة 1298 الموافق لأول شهر أكتوبر سنة 1881 من أبوين فقيرين.

فوالده هو المرحوم الشيخ إبراهيم محمد من قرية (آبا الوقف) في مركز مغاغة من

مديرية المنيا وهو من بيت قديم مشهور في القرية، ولد رحمه الله بصيرا وأصيب

بالعمى بعد ستة أشهر من مولده، ومكث في تلك القرية حتى أرسله أبوه إلى الجامع

الأزهر وهو في الخامسة عشرة من عمره بعد أن حفظ القرآن الكريم فعكف على تلقي

العلوم وانقطع لها طول عمره وتزوج من القاهرة بزوج رزق منها صاحب الترجمة

وأخاه.

ولما بلغ صاحب الترجمة الرابعة من عمره دخل المكتب ليتعلم القراءة

والكتابة والقرآن ومبادئ الأحكام الدينية فكان ممتازا بين الأطفال بالأدب والنجابة

حتى صار فقيه المكتب يعتمد عليه في حفظ نظام المكتب على صغره. ومكث في

المكتب ثلاث سنين حفظ فيها القرآن وأجاد الخط وتعلم مبادئ الدين وبعد خروجه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣٠٢