الإضراب وغيره إلا أن الله سبحانه وتعالى حماه من كيد الماكرين ولم يتمكن الوشاة
الظالمون من الإضرار به.
وكم حاول ناظر المدرسة التوفيقية إغراءه بالمال والرتب ليحوله عن خطته،
ويجعله طوع إرادته! فلم ينل من نفسه العالية وأخلاقه الثابتة منالا.
ثم عين ناظرا لمدرسة الجمالية الأميرية فكان خير قدوة لأساتذتها وتلاميذها
في حسن التربية ومكارم الأخلاق وصالح الأعمال.
ولما وجد الرؤساء المسيطرون أن نفسه الأبية ووطنيته الصادقة فوق تأثير
الوظيفة، وأنه ما زال مكبا على خدمة العلم والدين والوطن بجأش رابط ونفس
مطمئنة - نقلوه إلى مدرسة الفيوم الأميرية ليكون بعيدا عن العاصمة ... وكان وجوده
في ذلك الوادي الرطب سببا في مرضه الطويل الذي أودى بحياته.
كان رحمه الله شديدا في الحق، عاملا على اتباعه لا يخشى فيه لومه لائم،
وكم دافع عنه أمام كبار الموظفين في الإدارة، وكم طلب إليه أن يحابي أولاد كبار
الموظفين عند دخول المدارس فكان يأبى إلا أن يعطي كل ذي حق حقه، فغضب
عليه كثير من الرؤساء لذلك.
وكان ورعا تقيا عالما بالدين عاملا به يحث جميع الموظفين المرءوسين له
على الاعتصام بحبله، والعمل به، وينشره أينما كان ويتناقش مع كل من يتوسم
فيه العلم والميل إليه، حتى كان يجعل في المدرسة التي يتولى إدارتها مسجدا تقام
فيه شعائر الدين في أوقاتها كما تدرس فيه الدروس بأنواعها بكل نشاط وإخلاص.
كان سباق غايات في العلوم الرياضية حتى إنه لشدة اشتغاله بها كان يظن أنه
نال غاية الإخصاء في إحدى كليات أوروبا.
وكان كاتبا قديرا وكم كتب لوزارة المعارف من تقارير كانت موضع إعجاب
المفتشين وموظفي الديوان. وكان يعرف اللغتين العربية والإنجليزية معرفة أهلته
لأن يكون موضع ثقة الوزارة. ولإعجاب الرؤساء الإنجليز بعلمه وأدبه عهدوا إليه
بتعليم المعلمات الإنجليزيات اللغة العربية على كراهيتهم له. واشتغل في أواخر
أيامه بعلم الفلك، وكان على وشك أن يضع فيه كتابا إلا أن المنية أدركته قبل
الأوان.
ولما كان ناظرا لمدرسة سوهاج عرض عليه المرحوم أبو الفتوح باشا في
حفلة شيئا من الخمر فأنكر عليه ذلك علنا ثم ما زال يتعهده بالنصيحة والموعظة
الحسنة حتى ترك معاقرة الراح أو المجاهرة بها.
وربى أولاده تربية دينية متينة فهم يحافظون على الصلاة في أوقاتها وكانت
زوجه تقرأ القرآن عليه وكان يعلم بناته وزوجه الإسعافات الأولية وطرق العلاج
وكان كلما مرض له ولد يكب على درس الكتب الطبية في الحالات المختلفة حتى
كان أحيانا ينتقد المذكرات الطبية التي يكتبها له الأطباء بحق يعترفون له به.
وتوفي رحمه الله عن أم ضرير وزوج وخمس بنات وغلام كان موضع رجائه
ومحط آماله، أحياه الله تعالى وجعله خير خلف له آمين.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">