تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحنفية في بعض أحكام النكاح والطلاق وفسخ النكاح في بعض الأحوال وتأخذا فيها

بما تقرر في المذاهب الأخرى - لباهما شيوخ الفقه ووضعوا لهما قوانين في هذه

الأبواب مقتبسا بعضها من المذاهب الثلاثة الأخرى؟ ولعلهما لو شاءتا الأخذ في

بعض الأحكام بأقوال غير علماء المذاهب الأربعة من الصحابة والتابعين وأئمة

العترة لما أبوا مواتاتهما، فإن الجمود على مذهب معين لم يكن إلا تحقيقا لرغبة

الأمراء والسلاطين، والاسترزاق من الأوقاف التي زمامها بأيديهم، فالذنب فيه

مشترك بينهم وبين الفقهاء الذين رأوا فيه منفعة لهم. وأما الذي لا يجرؤ عليه هؤلاء

المتفقهة فهو الاستنباط من الكتاب والسنة وقواعدهما العامة، ككون الضروريات

تبيح المحظورات، وكون ما حرم لسد الذريعة يباح للمصلحة الراجحة. وإن نص

أئمتهم على هذه القواعد؛ لأن هذا عندهم من الاجتهاد الممنوع.

والحق أن العلم الاستقلالي (الاجتهاد) لم ينقطع ولن ينقطع من هذه الأمة

المحمدية، وإلا لبطلت حجة الله على الخلق بفقد حملتها والدعاة إليها والذابين عنها؛

ولما صح من خبر المعصوم من عدم اجتماعها على ضلالة، ومن أنه لا يزال فيها

طائفة ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله، ولكن هؤلاء العلماء المستقلين كانوا

ينتسبون في كل عصر من أعصار غلبة الجهل إلى المذاهب التي نشأوا عليها قبل

الاجتهاد لسببين: (أحدهما) أنهم لم يكونوا يجدون رزقا يتمكنون به من الانقطاع

للعلم إلا من الأوقاف المحبوسة على المشتغلين بهذه المذاهب فيضطرون إلى تدريس

كتبها والتصنيف فيها؛ ليحل لهم الأكل مما وقف على أهلها. (وثانيهما) أن

الملوك والحكام وأعوانهم من المقلدين كانوا وما زالوا حربا للعلم الاجتهادي الذي

يفتضحون به، ويظهر جهلهم وضلالهم بظهوره، فإذا وجدت حكومة إسلامية

جريئة كالحكومة التركية الحاضرة تحيي العلم الاجتهادي - فإنها تجد منذ الآن سدادا

من عوز لما تحتاج إليه من الأحكام وللتعليم في المدرسة الاجتهادية التي اقترحنا

إنشاءها في المسألة (رقم 26) على أن مقلدة المذاهب لا تكاد تطلب الحكومة منهم

شيئا إلا وتجد فيهم من يفتيها ولو بالتأويل والخروج عن صحيح المذهب.

إذا لا يمكن خروج الأمة الإسلامية من جحر الضب الذي دخلت فيه إلا

باجتهاد ووجود المجتهدين وما يلزمه من وجود الإجماع الأصولي الذي هو إحدى

الحجج عند الجمهور، وإن شئت قلت هو ركن الاشتراع الركين الذي لا يمكن أن

ترتقي أمة ولا ينتظم أمر حكومة بدونه كما قلنا في صدر هذه المسألة، بل وجود

الإمامة الحق يتوقف على هذا الاجتهاد كما علم مما تقدم. وأن اجتماع المجتهدين في

هذا العصر ممهد السبيل موطأ الأكناف لإمكان العلم بهم ودعوتهم إلى الاجتماع في

مكان واحد أو عرض المسائل عليهم أينما وجدوا، وهذا لم يكن ممكنا في عصر

أبي حنيفة والشافعي وأحمد ومن بعدهم ولذلك قال بعض المحققين: إن العلم

بالإجماع - إن وجد - غير ممكن.

* * *

32- تأثير الإمامة في إصلاح العالم الإسلامي

العالم الإسلامي في غمة من أمر دينه وأحكام شريعته، تتنازعه أهواء حكامه

المختلفي الأديان والمآرب، وآراء علمائه ومرشديه المختلفي المذاهب والمشارب،

ومساورة أعدائه في دينه ودنياه، وليس له مصدر هداية عامة متفق عليه فيرجع

إليه فيما عمي عليه، وكلما ظهر فيه مصلح هب أهل الأهواء المفسدون يصدون

عنه، ويطعنون في دينه وعلمه، ولا علاج لهذه المفاسد والضلالات إلا إحياء

منصب الإمامة، وإقامة الإمام الحق المستجمع للشروط الشرعية، الذي يقوم مع

أهل الحل والعقد بأعباء الخلافة النبوية، فإنه هو الذي يذعن كل مسلم لوجوب

طاعته فيما يصدر عنه من أمور الإصلاح العامة بقدر الاستطاعة، ويرجح إرشاده

على إرشاد غيره في الأمور الخاصة؛ إذ يكون أجدر ببيانها بالحجة الواضحة، فإذا

لم تكن الإمامة كذلك كان حكم الشرع فيها أنها سلطة تغلب، ولا تجب طاعة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٩٢