عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة} (البقرة: 228) وهي الرياسة التي
بينها في قوله: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض
وبما أنفقوا من أموالهم} (النساء: 34) فجعل سببها تفضيلهم عليهن بالقوة على
الكسب والحماية والدفاع، وما فرض لهن عليهم من المهر والنفقة.
أفرأيت لو أن أفراد المسلمين وحكامهم أقاموا هذه الشريعة، فساوى الرجال
النساء بأنفسهم في كل شيء ما عدا رياسة المنزل وكذا الرياسة العامة كالإمامة العظمى
وإمامة الصلاة، وكرموهن كما أوصاهن الرسول صلى الله عليه وسلم - أكانت النساء
تشعر بالحاجة إلى إعداد أنفسهن للكسب وغيره من أعمال الرجال الشاقة؟ أم يفضلن
أن يعشن في هناء وراحة يتمتعن من كسب الرجال في ظل كفايتهم، وكفالة الشريعة
التي تنفذها حكومتهم بما لا يتمتع به الرجال أنفسهم؟ فإن المرأة تأكل من كسب الرجل
ما يأكل وهي المدبرة لأمر مأكله، ولكنها تفضله بما تلبس من الحلل وما تتزين به من
الحلي، فإن كان ثم غبن فالرجل هو المغبون.
وجملة القول في هذا المقال: أن ترك العمل والحكم بالشريعة في بعض
المسائل يفضي إلى ترك بعضا آخر منها أو يفضي إلى جعله متعذرا؛ إذ يصير مفسدة
بعد أن كان في الأصل عين المصلحة، ثم يؤثر ذلك في أفكار الأمة وأخلاقها
وعاداتها، حتى تنقلب بتغيير عظيم في مقوماتها ومشخصاتها. فالشر والخير
والباطل والحق كل منهما يقوي جنسه ويؤيده، وقد فقدت الأمة الإسلامية ما يصونها
من ذلك التدهور والهوي، وينصب لها معارج الرقي، ويستنبط لها من الأحكام في
كل زمن ما يليق بحالها، مبنيا على قواعد الشريعة الهادية لهم إلى كمالها.
ذلك بأن الاستنباط (الاشتراع) الذي أذن به لأولي الأمر من المسلمين قد فقد
بفقد جماعتهم وزوال الإمامة الحق المنفذة لاستنباطهم، كما علم ذلك من المسائل
3 و4 و5 و17 من هذا البحث، ومن بقي يشتغل بعلم الأحكام الشرعية
الإسلامية فقصارى أمر جمهورهم مدارسة الكتب التي ألفت للأزمنة الماضية التي
كانت دار الإسلام فيها ذات استقلال ومنعة وبيت مال غني كاف لكفالة المعوزين
والغارمين وغير ذلك من النفقات الشرعية - فهؤلاء لا يستطيعون أن يفتوا بما
يخرج عن قواعد مصنفي تلك الكتب لتلك الأزمنة ولحكوماتها، التي كانت تلتزم
العمل بها، بل قرروا فيما وضعوه من الشروط للإفتاء أن يلتزموا فروع كتب معينة
لا يتعدونها؛ لأن تعديها ضرب من الاجتهاد ولو في المذهب، وقد قرروا منعه
كالاجتهاد المطلق.
ومنتهى ما يرجى من توسعتهم على الحكومة التي تريد العمل بأحكام الشريعة
أن يستخرجوا لها بعض الفروع الموافقة للمصلحة العامة في هذا الزمان من كتب
المذاهب المعتمدة. فإن الذين حرموا عليهم الاجتهاد والاستنباط من أصول الشريعة
والاقتباس من مصباحها مباشرة قد أوجبوا عليهم تقليد مذاهب معينة كما قال صاحب
جوهرة التوحيد:
* فواجب تقليد حبر منهم *
يعني الأئمة المشهورين في الفقه. فاعتمدوا هذا التحريم والتحليل ممن ليس
بأهله. وإنما أباحوا تقليد غير الأربعة من المجتهدين للعالم بذلك في خاصة نفسه،
دون الإفتاء به لغيره، كما قال بعضهم.
وجائز تقليد غير الأربعة ... في غير إفتاء وفي هذا سعة
مثال هذه التوسعة في أصول المعاملات أن القاعدة عند أكثر الفقهاء
المشهورين أن الأصل في العقود البطلان، فلا يصح منها إلا ما دل الشرع على
صحته، وذهب آخرون إلى أن الأصل فيها الصحة إلا ما دل الكتاب أو السنة على
بطلانه؛ لقوله تعالى في أول سورة المائدة وهي آخر ما نزل من السور: {يا أيها
الذين آمنوا أوفوا بالعقود} (المائدة: 1) والعقود ما يتعاقد الناس عليه، فهذا
المذهب أقوى دليلا، وأقوم قيلا، وأهدى سبيلا، بما فيه من التوسعة على الناس
وهو الذي رجحه المحققون من الحنابلة.
ألم تر أنه لما شاءت الحكومتان العثمانية والمصرية أن تخرجا من مذهب