تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذهبي: اختل أمر النظام كثيرا في أيام المقتدر بصغره. يعني أن الخلل قد طرأ

قبله من أيام المتوكل بن المعتصم إذ كان قد اشتد عيث الترك الذين استكثر منهم

المعتصم وجعلهم عدة الخلافة وسياجها فكانوا هم الذين دكوا بنيانها وهدموا أركانها،

والعلة الأولى لهذا كله بدعة ولاية العهد التي استدلوا عليها باستخلاف أبي بكر لعمر

رضي الله عنهما، فجعلتها القوة حقا لكل خليفة وإن كان متغلبا لا يعد من أئمة الحق،

ولم يراع ما راعاه أبو بكر من استشارة أهل الحل والعقد. وقد بينا بطلان هذا في

المسألة التاسعة من هذا البحث.

فعلم بهذا القول الوجيز أن التساهل في بعض شروط الخلافة التي عليها

مدارها - وهي العلم الاستقلالي والعدالة والشورى في نصب الإمام وفي تصرفه - قد

كان معلولا للتغلب وعلة لفقد الاشتراع - الاستنباط - الذي لا يقوم أمر الدولة ولا

يطرد ارتقاؤها ولا حفظها بدونه. فكان هذا علة لضعف الدولة، وكان ضعف الدولة

علة لضعف الأمة، إذ صارت تابعة للدولة لا متبوعة، وكان فساد أمرهما معا علة

لتغيرات كثيرة في الأحوال الاجتماعية وشئون المعيشة تقتضي أحكاما شرعية

أخرى غير التي كان الأمر عليها قبلها، أو تعود الإمامة الحق إلى أصلها.

ونحمد الله أن ظهر لأركان الدولة التركية التي تنحل منصب الخلافة أن الدولة

العثمانية كانت فاسدة وأنها لم تكن بعد دعوى الخلافة خيرا من قبلها، بل لم تلبث

أن دب إليها الخلل والضعف بالتدريج في كل أمور الدين والدنيا حتى صار كثير من

نابتتنا المتفرنجين يصرحون بأن الإسلام هو الذي جنى عليها وأن حكم الخلافة هو

الفاسد الذي لا يمكن صلاح حالها معه، فتسنى لنا أن نبين لها وللعالم الإسلامي

الذي كان أكثره مفتونا بها أنها لم تكن قائمة على أصول الشريعة في الخلافة، وأن

نبين حقيقة الخلافة وشكل الحكومة الإسلامية الحق وخطأ جمهور أعضاء المجلس

الوطني الكبير في رأيهم وعملهم فيها، ونثبت بالدلائل أن أصول الحكومة الإسلامية

أرقى من أصول سائر حكومات الأمم، بجمعهما بين دفع المفاسد وحفظ المصالح

المادية، وبين الحق والعدل والفضائل التي يتهذب بها البشر وتكمل الإنسانية، وأن

ندعو هذه الأمة التركية الإسلامية إلى إقامة حكومة الإسلام كما أمر الله ورسوله

وخلفاؤه الراشدون خير أمة أخرجت للناس ولو كره المتفرنجون {ليهلك من هلك

عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم} (الأنفال: 42) .

* * *

31- ما بين الاشتراع وحال الأمة من تباين وتوافق

وضع الإسلام قواعد عامة لأنواع المعاملات الدنيوية راعى فيها هداية الدين

وتقييد حكومته بالتزام الفضائل واجتناب الرذائل، فلم يجعل ما فوض إلى أولي

الأمر من الاستنباط - الاشتراع - مطلقا من كل قيد لئلا يجنوا على آداب الأمة خطأ

في الاجتهاد، أو اتباعا للهوى إذا غلب عليهم الفساد، فحرم الربا الذي كان فاشيا

في الجاهلية؛ لما فيه من القسوة والبخل والطمع الذي يحمل على استغلال ضرورة

المحتاج، كما حرم الغش والخيانة، وجعل الأمة متكافلة بما أوجب من النفقة على

القريب والزكاة لإزالة ضرورة الفقير والمسكين، ولغير ذلك من المصالح العامة،

وجعل لكل امرأة كافلا يقوم بأمرها من زوج أو قريب؛ وإلا فالإمام الأعظم أو نائبه؛

لئلا تضطر إلى ما يشق عليها القيام به من الكسب مع قيامها بوظائفها الخاصة بها

من الحمل والوضع والرضاعة وتربية الأطفال - فيكون اضطرارها إلى الحياة

الاستقلالية سببا لقلة النسل ولغير ذلك من المفاسد.

وقد كان من تأثير ضعف الدين في الشعوب الإسلامية وحكوماتها أن ترك كل

منهما مراعاة ما يجب عليه من تلك القواعد والتزام أحكامها، فترتب على ذلك احتياج

كل منهما إلى ارتكاب بعض المحظورات كالربا إما اضطرارا وإما اختيارا ترجح

فيه المصلحة على المفسدة رجحانا ظاهرا.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٨٩