تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إليهم أمر استنباط أحكامها، ولو لم يقر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا على

الاجتهاد والرأي فيما يعرض عليه من القضايا التي لا نص عليها في كتاب الله،

ولم تمض فيها سنة من رسوله [1]- لو لم يرد هذا كله وما في معناه لكفت الضرورة

أصلا شرعيا للاستنباط الذي يسمى في عرف هذا العصر بالتشريع. ووراء هذا

وذاك عمل الأمة في صدر الإسلام وخير القرون وكذا ما بعدها من القرون الوسطى

التي خرجت فيها الخلافة الكافلة للأمور العامة عن منهج العلم الاستقلالي فزالا معا؛

لتلازمهما.

الخلافة مناط الوحدة ومصدر الاشتراع وسلك النظام وكفالة تنفيذ الأحكام،

وأركانها أهل الحق والعقد رجال الشورى، ورئيسهم الإمام الأعظم، ويشترط

فيهم كلهم أن يكونوا أهلا للاشتراع، المعبر عنه في أصولنا بالاجتهاد والاستنباط،

وقد كان أول فساد طرأ على نظام الخلافة وصدع في أركانها جعلها وراثية في أهل

الغلب والعصبية، وأول تقصير رزئ به المسلمون عدم وضع نظام ينضبط به

قيامها بما يجب من أمر الأمة، على القواعد التي هدى إليها الكتاب والسنة، وأول

خلل نشأ عن هذا وذاك تفلت الخلفاء من سيطرة أهل الحل والعقد الذين يمثلون الأمة

واعتمادهم على أهل عصبية القوة، التي كان من أهم إصلاح الإسلام لأمور البشر

إزالتها، فصار صلاح الأمة وفسادها تابعا بذلك لصلاح الخليفة وأعوانه أهل

عصبيته، لا لممثلي الأمة ومحل ثقتها من أهل العلم والرأي فيها، والغيرة والحدب

عليها.

ثم ترتب على ذلك شعور الخلفاء بالاستغناء عن العلم أو عدم شعورهم

بالحاجة إليه وترك التمتع باللذات اشتغالا به لتحصيل رتبة الاجتهاد به، ورأوا أنه

يمكنهم الاستعانة بالعلماء الذين يتقلدون مناصب الوزارة والقضاء والإفتاء وغيرها

من الأعمال التي يحتاج فيها إلى استنباط الأحكام- فتركوا العلم ثم جهلوا قيمة

العلماء فصاروا يقلدون الجاهلين من أمثالهم للأعمال، ووجدوا فيهم من يفتي بعدم

اشتراط العلم الاستقلالي (الاجتهاد) في إمام المسلمين ولا في القاضي لإمكان

استعانتهما بالمفتي الذي لا يكون إلا مجتهدا، ثم عم الجهل فصاروا يستفتون

الجاهلين (أي غير المجتهدين) أمثالهم، ثم أذاع هؤلاء الجاهلون الذين احتكروا

مناصب الدولة وأموالها أن الاجتهاد قد أقفل بابه وتعذر تحصيله، وأوجبوا على

أنفسهم وعلى الأمة تقليد أفراد معينين من العلماء والانتساب إليهم، ثم صاروا

يقلدون كل من ينتمي إليهم مع الإجماع على امتناع تقليد المقلد- فضاع علم الأحكام،

وفقدت ملكة الاشتراع والاستنباط بالتدريج، واختل نظام الأمة وانحل أمرها

وتضعضع ملكها، وقع كل ذلك بترك أصول الإسلام وفروعه والجاهلون يحسبون

أنه وقع باتباع تعاليمه! !

قال القاضي أبو علي محسن التنوخي [2] في كتابه (جامع التواريخ) حدثني

أبو الحسين ابن عباس قال: كان أول ما انحل من سياسة الملك فيما شاهدنا من أيام

بني العباس: القضاء. فإن ابن الفرات (الوزير المشهور) وضع منه وأدخل فيه

قوما بالزمانات [3] لا علم لهم ولا أبوة فيهم، فما مضت إلا سنوات حتى ابتدأت تتضع

ويتقلدها كل من ليس لها بأهل حتى بلغت في سنة نيف وثلاثين وثلاث مائة إلى أن

تقلد وزارة المتقي أبو العباس الأصفهاني الكاتب، وكان في غاية سقوط المروءة

والرقاعة (إلى أن قال) وتلا سقوط الوزارة اتضاع الخلافة وبلغ صيورها إلى ما

نشاهد، فانحلت دولة بني العباس بانحلال القضاء، وكان أول ما وضع ابن الفرات

من القضاء تقليده إياه أبا أمية الأخوص الفلاني البصري. وذكر أنه إنما قلده

لموعدة وعدها إياه؛ إذ أوى إليه واختفى عنده في أيام محنته.

وأقول: إن ابن الفرات كان من أقدر الوزراء وأعلمهم بشئون الملك والسياسة،

وكان حسن السيرة وإنما جرأه على مثل هذا جهل الخليفة وانصرافه إلى اللهو

واللعب ثم التلذذ بالإسراف في اللذات، فإنه ولي وله ثلاث عشرة سنة. قال الحافظ

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٨٨