يجلون اليهود من بلادهم لأجلها، حتى إن حكومة عدن البريطانية أجابت اليمن بأن
مسألة احتلال فلسطين عرضية مؤقتة وأنهم سيتركونها لأهلها بعد بضع سنين ريثما
تستقر الأحوال! وهذا الجواب من أسلوب الحكيم فإنهم إنما يعنون باستقرار
الأحوال حل مشكلات الكون الكبرى وتوطيد سلطانهم حيث وضعوا أقدامهم.
رأت وزارة المستعمرات كل هذا وأكثر منه مما نعلم ومما لا نعلم فرجحت
إحداث تغيير جديد في شكل إدارة البلاد العربية وتجديد الضغائن والبغضاء بين
العرب والترك قطعا لطريق الجامعة الإسلامية، قبل أن يستيقظ جمهور الشعب
العربي من رقاده، ويثوب الجمهور المخدوع منه إلى رشاده، ويدوس الزعماء
المتجرين به وببلاده، وهي مراقبة لما حدث من تحول العراق عن فيصل وعدم
انخداعه بالمعاهدة، وفلسطين عن عبد الله، وأنه لما عاد من زيارتهم في أوروبا لم
يزره ولا هنأه من أهلها أحد، على ما بثه - ويبثه - أجراؤه من الدعاية
(البوربغندة) في شأن رحلته وفوائدها المنتظرة (؟) كما أنها عالمة بما كان من
فشل حسين في محاولة استمالة الإمامين يحيى والإدريسي، وليس لهم أحد
يعتمدون عليه من كبراء الأمة العربية غير أهل هذا البيت الذي هو رئيسه - لا
رئيس العرب- يطالبها باسم العرب - لا باسمه - بإنجاز ما وعدته من تأليف مملكة
عربية بقوتها وتحت وصايتها وحمايتها، بشرط أن يكون هو رئيسها، تمتد من
البحر الأحمر إلى حدود الأناضول تحتل هي ولاية البصرة منها لسائر الولايات
المستشارين والموظفين الذين يديرون شؤونها.
* * *
مشروع الشكل الجديد لاستعمار البلاد العربية
فالمشروع الذي تدرسه وزارة المستعمرات مبني على التوفيق بين مقاصد
معاهدة سايكس بيكو ووعود (السر هنري مكماهون) للملك حسين في أثناء ما دار
بينهما من المكاتبات التي عرفها قراء المنار في المجلد السابق منه (م 13) . ولما
كان هذا التوفيق لا يتم إلا بتوقيف فرنسا عليه، وإقناعها بجعل داخلية سورية داخلة
في المملكة العربية الشريفية، والقناعة المؤقتة بجعلها منطقة نفوذ فرنسية، وحصر
الانتداب المباشر المؤيد بالاحتلال العسكري في المنطقة الساحلية كما تقنع إنجلترا
بجعل العراق منطقة نفوذ بريطانية وحصر الحكم الاحتلالي المباشر في ولاية
البصرة - لما كان الأمر كذلك كاشفت وزارة الخارجية البريطانية حكومة
الجمهورية الفرنسية بعزمها معتمدة في إقناعها على التخويف من استيلاء الترك
على سوريا والعراق والقيام بحركة الجامعة الإسلامية التي يمتد خطرها إلى شمال
أفريقيا الفرنسي فيفسده على ولية أمره كما يفسد الهند ومصر على الدولة البريطانية
- وكانوا قد مهدوا السبيل لذلك بتدريب الأمير عبد الله على استمالة فرنسا إلى
شخصه قبل سفره إلى لندن وفي أثناء وجوده في أوروبا.
ومن حججهم التي قويت بعد إعراض الترك عن فرنسا في أواخر العهد بمؤتمر
لوزان أن أسرة الملك حسين هي الأسرة الوحيدة التي أشربت دون غيرها من البيوتات
العربية بغض الترك والحقد عليهم. وكان الغرض من هذا السعي أن يجعل الأمير
عبد الله ملكا على شرقي الأردن وولاية دمشق وحلب ما عدا سواحل حلب وما ألحق
من ولاية دمشق بلبنان الكبير، وبذلك يسهل حمل أهل هذه البلاد وأهل العراق على
مبايعة الملك حسين بالخلافة، فينشق العالم الإسلامي فيها وتستحكم العداوة بين الترك
والعرب ويتيسر للدولتين ضرب أحدهما بالآخر عند الحاجة إلى ذلك، وتدوم لهما
السيطرة على البلاد العربية.
وقد درست وزارة خارجية فرنسا هذا المشروع فترجح عندها عدم الثقة
بهؤلاء الحجازيين صنائع الإنجليز الذين لا تأمن فرنسا إغراءهم بإخراجها من
سوريا عند سنوح الفرصة وإرادة الإنجليز ذلك، وقيل: إنها كانت تدرس معه
مشروعا آخر مضادا له، وهو جعل هذه البلاد تحت سيادة الترك إذا رضوا بأن
تكون مناطق نفوذ لهم وللإنجليز وبذلك يقضون على النهضة العربية ويكتفون