تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفدان من مصر واتحدا هنالك أيضا. واجتهد السوريون والمصريون في استمالة

الترك ومطالبة وفدهم بالاعتراف باستقلال القطرين وسائر البلاد العربية عملا

بالميثاق الوطني التركي. وكان الغرض أن يقترح جعل ذلك في معاهدة الصلح،

وبأن يتوسل إلى مؤتمر الصلح بقبول عرض مطالبهما له رسميا فلم ينجحا في هذا

ولا ذاك. وكل ما كان أن عصمت باشا رئيس الوفد التركي صرح بالاعتراف بأن

الترك قد تركوا لمصر والولايات العربية العثمانية أمر تقرير مصيرها واستقلالها

وكانت فائدة ذلك أمام الدولتين المختلفتين لهذه البلاد أنهما تحولتا عن طمعهما بأن

ينص في معاهدة الصلح على تقرير الحالة الحاضرة في مصر والانتداب في سوريا

وفلسطين وقنعتا بأن تحدد بلاد الدولة التركية تحديدا يخرج منها سوريا والعراق،

بله إفريقيا العثمانية، وفائدة هذا سلبية محضة.

وهاهنا وقع الخلاف في ولاية الموصل فالترك يعدونها من بلادهم التي

حددوها في الميثاق الوطني، وقد ناقشهم الوفد البريطاني في ذلك باسم دولته

الوصية (المنتدبة) على العراق وأقرها على ذلك الملك فيصل ووالده الملك حسين

وإنما جعلتهما ملكين لمثل هذا التأييد الذي هو لازم الحماية التابعية.

هذا وإن كلا منهما قد أرسل مندوبا إلى لندن ولوزان، فكانا في لوزان تحت

تصرف لورد كرزون قولا وعملا، ولما اعترف عصمت باشا باستقلال البلاد

العربية، وذكر منها الحجاز بسعي الأمير شكيب أرسلان، بادر مندوب الملك

حسين بتطيير النبأ إلى مولاه بالبرق ليوهمه أن هذا كان بعض ثمرات سعيه.

ثم بلغ شركة روتر أن عصمت باشا ذكر في ضمن اعترافه أن الملك حسينا

رئيس الأمة العربية وأكبر زعمائها الممثل لها، فطيرت هذه الفرية في الأقطار؛

لتكون توطئة وتمهيدا لتنفيذ المشروع الذي تعده وزارة المستعمرات البريطانية للبلاد

العربية. وإن عقل عصمت باشا ليربأ به أن يفتات على الأمة العربية بالصدق

فكيف يفتات بالكذب.

كيد السياسة البريطانية للبلاد العربية

لم تنجح وزارة المستعمرات البريطانية النجاح التام بإقناع دافعي الضرائب

من البريطانيين وممثليهم في مجلس النواب بأن نصبهم الأمير فيصلا ملكا على

العراق والأمير عبد الله على شرق الأردن - يضمن للدولة البريطانية استعمار

فلسطين والعراق بدون نفقة كثيرة ترهق دافعي الضرائب عسرا، ويؤسس لدولتهم

إمبراطورية عربية جديدة تفيض على الخزينة تبرا، وعلى المستعمر السكسوني

عسلا وخمرا، ورأت هذه الوزارة في عهد المحافظين- الذين هم أشد قومهم جشعا

وحرصا على الاستعمار، وضراوة باستعباد الأحرار- أن الترك مصرون على

انتزاع الموصل من ملك العراق، وأن استيلائهم على الموصل يمكنهم من الاستيلاء

على بغداد في كل وقت بكل سهولة، وأن عرب العراق كغيرهم يفضلو الترك على

البريطانيين بعد أن بلوهم وعرفوا إفكهم وخداعهم، وذاقوا مرارة جبروتهم وظلمهم،

فلا يمكن أن يحاربوا الترك معهم أو تحت قيادتهم لأجل أن تكون العراق مستعمرة

هندية لهم. ومن البديهي أن بريطانيا لا تستطيع قتال الترك في العراق وحدها،

وضلع العرب معهم عليها، ولو تصدت لذلك لقامت عليها الأحزاب البريطانية

بأسرها، وخشي أن يمتنعوا من بذل مئات الملايين من الذهب والرجال، في هذه

المقامرة التي تجر وراءها الخزي والنكال، وشدة وطأة المقاطعة في الهند، وشبوب

نيران الثورة في فلسطين ومصر، ورأت هذه الوزارة أيضا أن بعض الجرائد

والأحزاب وكبار الساسة من الإنجليز يطالبون الحكومة بالجلاء عن العراق

وفلسطين من قبل الاستهداف لهذه الأخطار، ورأت أن جعل فلسطين مملكة يهودية

فاصلة بين مصر وسائر بلاد العرب ليست من الهنات والهينات، وأنها قد صارت

من المسائل الإسلامية العامة. فالهند قد وضعت استقلال فلسطين وسائر البلاد

العربية في برنامجها، وإمام اليمن على عزلته قد احتج بها عليها، وكاد أهل اليمن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٧٤