تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا تورث، وذكروا طريقا ثالثا لإحراز الخلافة، وهو طريق القهر والغلبة، وذلك

لا يكون بطبيعة الحال إلا في الخلافة الصورية دون الحقيقية، فإذا ثار عليه متغلب

آخر وغلبه ينعزل الأول بتغلب الثاني.

والخليفة لا يملك حق التصرف في أمور المسلمين بما فيه ضررهم أو ضرر

أفراد منهم، وإن كان الضرر قليلا، وتصرفه من هذا القبيل لا يعد معتبرا ولا نافذا

فلو تصرف بشبر من الأرض العامة لغير مصلحة يكون تصرفه لاغيا.

والخلافة ليست معقودة لنفسها بل تكون وسيلة لشيء آخر وهو الحكومة،

فالغاية منها توزيع العدل وصيانة الملة، بل تلك هل الغاية من الشرع نفسه، وإنما

استفحل ملك الإسلام يوم كان ينظر إلى الشرع والإمامة بهذا النظر ثم اضمحل

الإسلام وأهله لما انصرفت الإمامة عن واجباتها هذه إلى ما يخالفها، فغرق العالم

الإسلامي في جهل كثيف، وتولاه تعصب متعفن، وكانت نتيجة هذا وذاك سقوط

الملة الإسلامية في حمأة الفقر والسفلة.

ومسئولية الخليفة عظيمة، بل ليس في الإسلام فرد مجرد من المسئولية، وقد

ورد في الحديث: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول

عن رعيته) .

أما ما ورد في قانون الدولة العثمانية الأساسي من أن (السلطان مقدس وغير

مسئول) فإنما اقتبسه العثمانيون من قوانين أوروبا الأساسية وهو ينافي الشرع

الإسلامي كل المنافاة؛ لأنه ليس أحد من الناس مقدسا في حكم الشريعة الإسلامية،

فالمقدس هو الله وحده، وإذا كان في المخلوقات شيء مقدس فإنما هي الحقوق؛

لأنها أمانة الله بين يدي من يتولاها، فالإمام إذا عبث بهذه الحقوق وظلم الأمة فهو

واقع تحت حكم الحديث الشريف: (أشد الناس عذابا يوم القيامة إمام جائر)

وأما الولاية العامة التي هي للإمام (الخليفة) على المسلمين فإنما هي ولاية

تفويض، فإذا خلع الخليفة أو تخلى عن منصبه سقط عنه حق الولاية العامة، وعاد

فردا كأفراد الناس، وهذا هو معنى السلطان الشعبي تماما.

وما جاء في الكتب الإسلامية من وجوب نصب الخليفة فإنما نظروا فيه إلى

أن الأمة لا يمكنها أن تتولى بجمهورها القيام بمهامها العامة فقضوا بتفويض هذه

المهام العامة إلى الإمام أو الخليفة، وهم إنما يريدون أن من الواجب على الأمة

الإسلامية ألا تكون بلا حكومة، وهم يقولون في كتبهم: إن المقصد الأصلي من

نصب الإمام إنما هو سد الثغور وتجهيز الجيوش وإقامة الحدود وقطع النزاع وفصل

الخصومات وإقامة الشعائر الدينية، وهذا الأمر كما يقوم به الإمام العادل المدبر

يمكن أن تقوم به (الحكومة) مهما كان شكلها إذا كانت ذات أنظمة صالحة

فالمقصود هو أن لا تضيع حقوق الناس، وأن لا تختل مصالح الملة، فالولاية

العامة كما تكون للخليفة تكون للحكومة المنتظمة العادلة.

وأخذ مؤلفو الكتاب يبرهنون على صحة غرضهم وهو أن الحكومة تقوم مقام

الخلافة؛ لأن الخلافة انقطعت منذ أمد طويل والخلفاء الذين نعرفهم كلهم خلفاء

صوريون غير حقيقيين بل إن الخلفاء العباسيين أيضا كذلك، وجعل مؤلفو الكتاب

يردون على العلامة التفتازاني (انظر ص51) لقوله في شرح (العقائد النسفية) :

(إن أهل الحل والعقد من أئمة الدين اتفقوا على خلافة آل العباس بن عبد المطلب

رضي الله عنه) واستدلوا من عدم رضا الإمام أبي حنيفة بتولي وظيفة القضاء أنه

كان خارجا على الخلافة العباسية وغير معترف بها.

ولما انتبهوا إلى ما ثبت في التاريخ من ولاية الإمامين أبي يوسف ومحمد

القضاء للخلفاء المهدي والهادي والرشيد، وهذان الإمامان كانا صاحبي أبي حنيفة

وعلى أقوالهما قام مذهبه، رجعوا فقالوا: إن ذلك لا يدل على اعترافهما بالخلافة

الحقيقية لهؤلاء الخلفاء. ونقلوا عن ابن الهمام في (المسايرة) أن قبول منصب

القضاء والولاية من السلطان الظالم الفاسق جائز وصحيح، وقد شحنوا عدة

صفحات من كتابهم بانتقاص خلفاء الملة الإسلامية من أقدم الأزمان إلى الآن، ولم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣٢٤