الجامع لكل الصفات والشروط المطلوب وجودها في الخليفة، وأن تكون الأمة قد
اختارته وبايعته برضاها وإرادتها، وأن يكون - فضلا عن هذا وذاك - مجردا
من الأغراض الدنيوية والمطامع المختلفة، وأن تكون له على الأمة شفقة الأب على
بنيه، وأن لا ينحرف عن الشرع قيد أنملة. والخلاصة أن الخليفة الحقيقي هو الذي
يسلك سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في جميع أعماله، فإن لم يكن الخليفة كذلك، أو
إذا لم تكن متوفرة فيه شروط الخلافة، أو أن يكون قد نال هذا المقام بالغلبة والقهر،
فهو سلطان وليس بخليفة، بل إن السلطة والملك لا يكونان مشروعين إذا قاما على
الظلم والاعتساف، فلا يعتبر قضاء القاضي ولا ولاية الوالي إذا كانا منصوبين من
إمام أو سلطان جائر.
وذكر مؤلفو الكتاب شروط الخلافة، ومنها (أن يكون الخليفة من قريش) أي
من أركان القبيلة القرشية، قالوا: وقريش هم بنو النضر بن كنانة الذين منهم النبي
صلى الله عليه وسلم ومنهم بنو هاشم وبنو أمية وبنو العباس فهؤلاء جميعا من
قريش، وذلك مذهب أهل السنة من حنفية وشافعية ومالكية وحنابلة؛ لأن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (الأئمة من قريش) وقد قرر ذلك بلسان قطعي وبإطلاق
تام أستاذ فقهاء الحنفية وكبير من كبراء فحول علماء تركستان وهو النجم النسفي
المعروف بمفتي الثقلين المتوفى في سمرقند عام 537 فأثبته في كتابه (العقائد
النسفية) الذي يدرس في جميع المدارس الإسلامية منذ عصور وهو من الكتب
المقررة في المدارس الدينية في الآستانة إلى يومنا هذا، لذلك قال العلامة التفتازاني
في (شرح العقائد النسفية) : إن الأمر أصبح مشكلا بعد انقراض الخلافة العباسية
لأن الخلافة القرشية قد زالت بزوالها.
واستنتج واضعو كتاب (الخلافة والسلطان القومي) من ذلك أنه ما دام واجبا
على المسلمين إقامة الخليفة، وما دام الخليفة لا بد أن يكون من قريش - فإنه من
الواجب تحويل ذلك إلى إقامة حكومة فقط؛ لتعذر وجود خليفة جامع للصفات
والشروط اللازمة، ولا يكون المسلمون آثمين إذا أقاموا حكومة تحل محل الخلافة
ولا حاجة حينئذ إلى أن تكون هذه الحكومة حكومة الخلافة ولا إلى أن يكون رئيسها
خليفة (انظر ص 22 من هذا الكتاب) ولذلك لم ينكر العلماء المعاصرون للسلطان
سليم الأول على هذا السلطان حمله الخليفة (المتوكل على الله العباسي) على أن
يفرغ له الخلافة سنة 923 مع أنه فعل ذلك على مرأى منهم في جامع آيا صوفية،
ومع ذلك فإن خلافة السلطان سليم الأول خلافة صورية وليست خلافة حقيقية.
ولذلك لم يعبأ أحد في العالم الإسلامي بل ولا في جزيرة العرب لادعاء
الشريف حسين الخلافة وإعلانه ذلك مع أنه في مكة ومن قريش بل ومن بني هاشم
ولم يكد المجلس الوطني الكبير يعلن أنه أجلس في مقام الخلافة حضرة عبد المجيد
حتى ارتفع صوت الإجابة والبيعة من جميع أنحاء العالم الإسلامي، ولو بالقول
على الأقل، وعلى ذلك فإن مما يوافق الحكمة حصر المجلس الوطني الكبير الخلافة
في آل عثمان.
ثم تساءل مؤلفو الكتاب عما إذا كان رجل جامع في نفسه شروط الخلافة أكثر
من كل رجل آخر في العالم الإسلامي هل يكون خليفة بنفسه؟ وأجابوا أنه لا يكون
خليفة ما لم تخوله الأمة حق التصرف العام عليها، ونقلوا عن الماوردي في
(الأحكام السلطانية) أن الخلافة عبارة عن نوع من أنواع العقود فيما بين الأمة
الإسلامية والخليفة، فهو من نوع عقود الوكالة، ولذلك كانت العمدة في انعقاد
الخلافة إنما هي الشورى، حتى إن البيعة بنفسها تفيد معنى العقد كالبيع والشراء.
وللوصول إلى مقام الخلافة طريقان: إما البيعة العامة، أو استخلاف الخليفة
ولي عهده، فالأول هو الأصل، والثاني متفرع عنه، بشرط توفر شروط الخلافة
فيمن يتولاها في كل من الحالتين، وأما الإرث فلا تجوز الخلافة به؛ لأن الوكالة