القبائل حول قائدها، وتأهبت للنضح عن ذمارها، وعاد الأمر كما بدأ، لا بل رأى
محمد بن عبد الكريم أن يجعل الإسبانيول غداءه قبل أن يجعلوه عشاءهم، فجمر [1]
للزحف على مواقعهم الأمامية بقرب مليلا، وناوشهم القتال منذ أوائل هذا الصيف،
فدارت رحى الهيجاء، وحمي الوطيس وتباعث العرب والبربر على الموت في سبيل
دينهم ووطنهم، فجفلوا الإسبانيول عن مراكزهم، وأفحشوا النكاية فيهم، ورأت
إسبانية أن ابن عبد الكريم لا يزال ابن عبد الكريم من المنعة في قومه، والحيطة من
وراء أمره، والحمية على وطنه، والحفيظة لحقه، وأن الريفيين لم يبرحوا على
عهدهم بالشهامة وإباء الضيم، والبصائر بالحرب، والغرام بالطعن والضرب،
فسقط في يدها، وخابت آمالها، وجردت إلى الريف زحوفها، حتى بلغ عدد الفيلق [2]
الإسبانيولي المرابط الآن بالريف 160 ألفا، وهي لم تنل وطرا، ولا قضت حاجة،
فثارت الخواطر في مادريد واضطربت الحكومة وادلهم الخطب، وأبى الحزب
العسكري إلا أن يتابع إرسال الإمداد إلى أن تستقيم عصاة الريف أو تنكسر، وذهب
آخرون إلى أنه لا فائدة من غزو الريف إلا تراكم الخسائر في المال والرجال، وقدم
اثنان من النظار استعفاءهما: أحدهما ناظر المالية الذي شكا من كون عجز الموازنة
المالية هذه السنة بلغ 900 مليون، فماذا يكون إن أصرت الحكومة على متابعة حرب
الريف؟
هذه حالة إسبانية اليوم، وهذا هو الفري الذي فراه محمد بن عبد الكريم عودا
على بدء، فأثبت أنه بطلها اليوم كما كان بطلها بالأمس، وسنرى أنه بطل السلم
كما هو بطل الحرب، وأنه أصدر أوامر بالاتفاق مع أعضاء الحكومة الريفية التي
هو رأسها بإنزال أشد العقاب إلى حد القتل بمن يعتدي على إسبانيولي أو أي
أوروبي أو يخالف القوانين الحربية المرعية بين الدول المتمدينة.
وقد نشر رجل سويسري من زوريخ منذ أيام رسالة تناقلتها كثير جرائد
سويسرة كنا نود تعريبها ونشرها كلها نقلا عن جريدة (فوي دافي) الصادرة
بلوزان لكن طولها حال دون تعريبها برمتها، ومآلها: أن بعض الشبان من سويسرة
قصدوا إسبانية للعمل وبينما هم يعملون ببرسلونة [3] إذ أخذتهم حكومة إسبانية إلى
الريف بحجة أنها تريد أن تستخدمهم في النقليات. وأن هنا عملا بأجرة وهناك
عملا بأجرة فذهبوا مسيرين غير مخيرين، ولما صاروا إلى مليلا نظموهم في
التابور وأرسلوهم إلى ميدان الحرب؛ خلافا لما كانوا وعدوهم به، ولما كانوا من
رعية سويسرة لا شأن لهم في حرب واقعة مع إسبانية فر منهم بضعة نفر فأدركهم
الإسبانيول وحاكموهم محاكمة البلط (الفارين من العسكر) وحكموا عليهم بالقتل
ونفذ فيهم الحكم رميا بالرصاص مع أنهم لم يكونوا متطوعين في جند إسبانية وإنما
سيقوا إلى الحرب جبرا وقهرا بعد أن خدعوا بقول الحكومة الإسبانية لهم أنهم
يكونون في مليلا عملة كما كانوا في برسلونة. قال هذا الرجل السويسري
الزوريخي: فالتزمنا أن نشهد وقائع من أشد وأهول ما يتصور العقل كانت غالبا
خسائر الإسبانيول فيها أفدح من خسائر المغاربة، وذكر واقعة قال: إن الإسبانيول
خسروا فيها وحدها أربعة آلاف مقاتل. وهو يحزر مجموع خسائر الإسبانيول
بستين ألف مقاتل.
ثم قال: إننا مللنا القتال ونحن لا ناقة لنا في الأمر ولا جمل ففررنا إلى جهة
العرب فأخذونا إلى عبد الكريم فأمر بانتظامنا في الجيش، فبعد أن كنا نقاتل في صف
الإسبانيول صرنا نقاتل الإسبانيول، وكنا في كلا الحالين مكرهين لا أبطالا، فبعد
أن شهدنا عدة وقائع لاحت لنا فرصة للفرار ففررنا أملا بالوصول إلى ساحل البحر،
ومنه نجد فلكا يأخذنا إلى أوروبا فكانت وقعتنا بالقرب من قرية عربية فقبضوا
علينا وساقونا إلى الأمير عبد الكريم فأيقنا في أنفسنا بالهلكة، وقلنا: يصيبنا هنا ما
أصاب رفاقنا عند الإسبانيول، فلما وصلنا إلى الأمير كان منه أن قال لنا: نعم