تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عشرون مليونا بخلاف تركية مع اليونان؛ إذ تركية مع كل ما اقتطع منها بقيت 12

مليونا، واليونان مع كل ما أضيف إليها لا تزيد على 6 ملايين. فأنت ترى ما

هنالك من الفرق، وزد عليه أنه لم يجتمع من جنود اليونان في وجه مصطفى كمال

ما اجتمع من جنود الإسبانيول في وجه محمد عبد الكريم، فقد كان جيش اليونان

المحارب لجيش أنقرة من 150 إلى 170 ألفا حال كون الجيش الإسبانيولي الذي

غزا الريف سنة 1921 بلغ عدده 250 ألف مقاتل وباء بالخذلان كما هو معروف.

والجيش الإسبانيولي الزاحف اليوم إلى الريف هو بحسب قول الجرائد

الأوروبية مائة وستون ألف مقاتل. وإنه في كلتا المرتين تطوع في الجيش

الإسبانيولي ألوف مؤلفة من أصناف الإفرنجة لا سيما من الإنكليز الذين لا يتركون

فرصة يظهرون فيها فرط محبتهم للإسلام إلا ولجوها، وهذه المرة يقال: إن أكثر

الإلحاح على الدولة الإسبانية في استئصال شأفة المقاومة من الريف واقع من دولة

بريطانيا العظمى.

ثم لا يخفى ما يوجد من الفرق بين زحف اليونان من بلادهم راكبين أثباج

البحر الواسع وإيغالهم في بلاد الأناضول الطويلة العريضة التي تأكل الجيوش

بمساوفهم وبين ركوب الإسبانيول بحرا اسمه بحر الزقاق أو بوغاز جبل طارق

عرضه ساعات قلائل، وكون الريف كله لا يساوي في الرقعة ولاية من ولايات

الأناضول.

لا نريد في هذه المقابلات والمقارنات تصغير شيء من مجادة العمل الذي قام

به إخواننا الترك وأدهش الربع العامر بأسره، وترنحت له أعطاف الشرقيين عند

من يقول بجامعة شرقية، وقرت به عيون المسلمين عند من يأخذ بجامعة إسلامية.

إن الأتراك أشهر في الحروب من أن ينوه فيها الإنسان بقدرهم، وإن

انتصارهم الأخير بعد أن نهكت قواهم الحروب المتتابعة بدون انقطاع ولا فتور منذ

بضع عشرة سنة - أضاف صفحة جديدة على تاريخ مجدهم، وخلد مصطفى كمال

ذكرا لا تمحوه الأعصر بأنه هو المؤسس الأخير للدولة التركية.

ولكننا نريد أن نثبت بهذه المقارنات أنه بالنسبة إلى قلة الوسائل وضيق الرقعة

وفقد التشكيلات، ونزارة الأسلحة، وندورة الضباط، وانحصار الريف بين البحر

من جهة والمنطقة الفرنسوية من أخرى، وصغر الريف من أصله، فإن فضل

محمد بن عبد الكريم هو أعظم من فضل مصطفى كمال ومن فضل أعاظم قواد

أوروبا؛ لأنه لو قام أي واحد من أولئك العظام مقام ابن عبد الكريم لعجز أن يأتي

بشي مما أتاه.

في تموز سنة 1921 استأصل الريفيون بقيادة هذا البطل الغشمشم 25 ألف

مقاتل إسبانيولي وأسروا ألوفا وغنموا 170 مدفعا وقيل 300 مدفع و 70 ألف

بندقية وأعتادا حربية لا تحصى وعددا من الطيارات، وسبق لهذا العاجز - المعجب

بمحمد بن عبد الكريم المتحسر على أن ليس في سورية مثله - مقالات متعددة عن

تلك الطوائل التي طال بها والوقائع التي انتصر فيها، منها ما نشرناه (بالبيان)

ومنها في (الصباح) الذي كان يطلع بفلسطين؛ لأن حرية المطبوعات ... في

سورية لعهد محرري الأمم ... لم تكن تسمح بنشر شيء عن قوم يدافعون عن

استقلالهم، ولو كانوا من أقصى البلاد عن سورية.

وبعد هاتيك الهزيمة عول الإسبانيول على سياسة التفريق والشقاق بين

الريفيين، تلك السياسة التي طالما نجحت بها الدول المستعمرة، ونالت مآربها من

الشرق من ثنايا منافسات الشرقيين بعضهم مع بعض، فعقد الإسبانيول الصلح مع

الرسولي، وأعملوا الهمة في التضريب بين القبائل الريفية، وخدروا أعصاب

كثيرين منها، وبذلوا المواعيد ومنوا الأماني، حتى خيل لهم أن الحركة قد همدت،

وأن حزب ابن عبد الكريم قد ضعف جدا عن ذي قبل، وأنهم إن صمدوا إليه وجدوه

هذه المرة في قلة من قومه وقضوا منه وطرهم، فكان الأمر بعكس ما خالوا، وهو

أنهم لما آنسوا منه رقة الجانب وطمعوا في أخذه بالقوة عاد هذا الأمير فاستفز قبائل

الريف، وأوضح لهم الخطر فارتفعت الواعية، وامتدت الصارخة، واعصوصبت

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣١٩