إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية
من الجبل، إن الدين بدأ غريبا وسيعود كما بدأ) وقد أوصى النبي صلى الله عليه
وسلم قبيل وفاته بأن لا يبقى في جزيرة العرب دينان، ونص على إخراج اليهود
والنصارى من جزيرة العرب على تسامحه مع أهل الكتاب في سائر ما يدخل في
ملك أمته من البلاد، وأكثر ما تساهل به بعض العلماء أن خصوا ذلك بالحجاز.
وحكمة هذه الوصية أن الله تعالى أعلم رسوله بما سيعاقب به أمته على ترك
ما شرعه لهم من إقامة العدل والحق من تداعي الأمم عليهم، والإدالة لهم منهم،
فأوصاهم بأن لا يدعوا لغيرهم سبيلا إلى مهبط دينهم ومنشأ شريعتهم، ليبقى ملجأ
حرا لهم، لا يكون لغيرهم فيه نفوذ ولا وجود، ليجدد فيه الدين، ويكون مصدرا
لإصلاح ما أفسد الناس منه - فهل يجوز أن يكون فيه ملك مستبد بالاستناد على
سلطة دولة غير مسلمة جعلها وصية عليه وعلى حرم الله ورسوله - على ما يعرف
الناس كافة عنها من طمعها في بلاد الإسلام والعناية بتنصير المسلمين - فيسلب
المسلمين فيه ما وهب الله تعالى لهم، ويهب لغيرهم فيه ما سلب الله تعالى منهم؟
ما يجب على المسلمين في أمر الحجاز:
أيها المسلمون إن الله تعالى قد جعل أمر مصالحكم العامة لكم، فما يزعم أهل
القوانين الوضعية من أن نظرية سلطة الأمة هي من إحداثهم زعم باطل، إنها أصل
من أصول الإصلاح الإسلامي التي أنزلها الله تعالى في كتابه ونفذها خاتم رسله
صلى الله عليه وآله وسلم وخلفاؤه الراشدون ومن اهتدى بهديهم ممن بعدهم وصرح
بها العلماء المحققون كما بيناه في كتاب مباحث الخلافة، ومن شواهد القرآن المجيد
في ذلك مخاطبة جماعة المسلمين بالأحكام العامة كقوله: {إن الله يأمركم أن تؤدوا
الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} (النساء: 58)
وقوله: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على
الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل
وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} (الحجرات: 9) فجماعة الأمة هي التي
تنصب الخلفاء وهي التي تعزلهم، ودرء المفاسد العامة والقيام بالمصالح العامة من
فروض الكفاية على الأمة.
فيجب عليكم بما فرض الله عليكم من الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر أن تقوموا بما يمكن من الوسائل لإنقاذ حرم ربكم وحرم رسولكم
صلى الله عليه وسلم من الظلم والاستبداد والسيطرة الأجنبية. ولتقرير الأمن فيهما
لأهلهما، ولكل مسلم يدخل في حماهما، بحيث يكون حرا آمنا لا يخاف أحدا إلا الله
تعالى، ولا يؤاخذ بشيء إلا بحكم شرعي من محكمة إسلامية مستقلة أتم الاستقلال
في أحكامها، لا سيطرة لملك ولا لغيره عليها، تتألف من علماء جميع الشعوب
الإسلامية - ولمنع الفتن والدسائس السياسية والنفوذ الأجنبي أن تسري إليهما، وإلى
جعل الحجاز قطرا سلميا على الحياد لا يحارب أحدا ولا يحاربه أحد بحيث تعترف
بذلك جميع الحكومات الإسلامية وغيرها، وإلى كفاية أهله الحاجة وإغناء أعرابه
عن التعدي على الحجاج وغيرهم بتأمين معايشهم ونشر العلم والدين فيهم، ثم إلى
جعل الحرمين الأشرفين مثابة للناس في تلقي العلوم والمعارف، كما أنهما مثابة لهم
في العبادة وأداء المناسك