المدينة وأبي حنيفة من أهل العراق وسفيان الثوري والإمام أحمد بن حنبل
وإسحاق بن راهويه رحمة الله عليهم) .
(وروى الإمام أحمد رحمه الله عن علقمة بن نضلة أنه قال: كانت رباع
مكة تدعى السوائب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر:
من احتاج سكن ومن استغنى أسكن. وروي أيضا عن عبد الله بن عمر (من أكل
أجور بيوت مكة فإنما يأكل في بطنه نار جهنم) رواه الدارقطني مرفوعا إلى النبي
صلى الله عليه وسلم وفيه: (إن الله حرم مكة فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها) .
وبعد أن أطال في أدلة هذا المذهب ذكر أدلة القائلين بجواز بيع بيوت مكة
وإجارتها كالشافعية الذين أجازوا القتل والقتال الشرعيين في الحرم، وأن التحقيق
الجمع بين القولين وهو أن المباني تملك دون الأرض، كمن يبني في سائر
الأراضي الموقوفة.
وقال إمام المفسرين ابن عباس رضي الله عنه في تفسير: {والمسجد الحرام
الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد} (الحج: 25) : المسجد الحرام
الحرم كله خلق الله فيه سواء. وفي رواية أخرى عنه: (سواء) يعني شرعا
واحدا ﴿العاكف فيه﴾ (الحج: 25) أي أهل مكة في مكة أيام الحج ﴿والباد﴾ (الحج: 25) من كان من غير أهلها ممن يعتكف فيه من أهل الآفاق (قال) : هم
في منازل مكة سواء؛ فينبغي لأهل مكة أن يوسعوا لهم حتى يقضوا مناسكهم. وفي
رواية ثالثة: البادي وأهل مكة سواء في الحرم. وقال قتادة: سواء في جواره
وأمنه وحرمته، العاكف فيه أهل مكة، والبادي من يعتكفه من أهل الآفاق. فعلى
هذا لا يجوز التفرقة هنالك بين المسلمين بأن هذا وطني من رعايا الحكومة الهاشمية،
وهذا غير وطني من مسلمي الممالك الأجنبية. بل لا يمتاز هنالك ملك ولا سوقة
فكل المسلمين فيه سواء.
هذا وإن الله قد امتن على هذه الأمة بتأمين هذا الحرم الشريف في آيات من
كتابه كقوله: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا﴾ (البقرة: 125) وقوله:
﴿ومن دخله كان آمنا﴾ (آل عمران: 97) وقوله: {أو لم يروا أنا جعلنا حرما
آمنا ويتخطف الناس من حولهم} (العنكبوت: 67) فيجب أن يظل هذا الحرم
الشريف في أكمل درجات الأمن والحرية لجميع المسلمين في أنفسهم وأموالهم
وأقوالهم وأفعالهم ما لم تكن معصية لله تعالى. وهو أحق بهذا من (لندن) عاصمة
الإنجليز التي يضرب المثل بحرية ساكنيها، وإن كانوا أعدى أعداء حكومتها
وأشدهم طعنا فيها. وإذا منع الله تعالى فيه تنفير الصيد وترويع الحيوان الأعجم
والاعتداء على النبات بقلع أو قطع، فهل يحل أن يكون فيه ملك ذو جبروت
يضرب على حجاجه المكوس فلا يبيح لأحد أن يدخل حرم الله تعالى لعبادته إلا
إذا أعطاه كذا من النقد باسم التوقيع على جواز السفر أو الحجر الصحي أو بغير
ذلك من الأسماء؟ ثم تصادر أمواله إن كانت من الفضة؛ لأن هذا الملك أوجب أن
يكون سعر الفضة النسبي دون سعر الذهب، ثم تحيط به الجواسيس فإن رأى ظلما
أو منكرا من أعمال الملك أو حكومته فأنكره لما فرض الله من النهي عن المنكر
قبض عليه ووضع في سجن شر من سجن الحجاج وعذب أقبح العذاب كما هو
الواقع الآن، بل مما يروي الثقات أن من الناس من يعذب في ذلك السجن بمجرد
التهمة، كالرجل المغربي الذي كان رفيق الشريف شرف عدنان باشا، ومنهم من
يعذب لمذهبه حتى يموت صبرا كالشيخ أبي بكر خوقير السلفي الحنبلي رحمه الله
تعالى، وقد كان السلف الصالح يعدون شتم الخادم في الحرم من الإلحاد فيه، وفي
الحديث (احتكار الطعام بمكة إلحاد) رواه الطبراني في الأوسط، وقال ابن عباس:
تجارة الأمير بمكة إلحاد.
ذلك وإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود
غريبا كما بدأ ويأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها) رواه مسلم من
حديث ابن عمر، والترمذي من حديث عمرو بن عوف بلفظ: (إن الإسلام ليأرز