تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون} (النمل: 34) وقد بلغته

وصية النبي صلى الله عليه وسلم في أمر جزيرة العرب وأهم المراد منها أن لا يقيم

في بلاد الحجاز غير المسلمين، ولا سيما الطامعين. وإن دخول تاجر إنجليزي في

بلاد شرقية ضعيفة وإقامته فيها ليعد أعظم خطرا عليها من دخول ملك فاتح من

المتقدمين، فكيف بدخول الرجال السياسيين والحربيين، إذا أعطوا صفات الحماة

المحافظين؟ فإذا كان صاحب الجلالة الهاشمية يجهل تاريخ تأسيس إمبراطورية

الهند بسعي شركة الجلد البريطانية فإن له في سودان مصر وجزيرة البحرين لعبرة

ماثلة؛ إن كان من المعتبرين. وقد بينا من قبل أن الإنجليز قد أسسوا لإدارة

سواحل الحجاز وغيره من بلاد العرب محافظة جديدة سموها محافظة البحر الأحمر

شرعت في أعمالها بهدوء وخفاء.

(المادة السابعة) يعترف فيها ملك الحجاز بنظام الحجر الصحي الذي

اتخذه الإنجليز في جزيرة قمران لأجل الحجر فيها على حجاج الشرق والجنوب،

كما يعترف له ملك الإنجليز (بالتدابير المتممة التي قد تتخذ في جدة أو غيرها من

مرافئ بلاد جلالته) .

ونقول: إن هذه المادة تعترف للإنجليز بما لا تعترف بمثله لدولة مصر

الإسلامية، وموضوع هذه المادة أن يكون عملها في مسألة الحجر على الحجاج متمما

لعمل الإنجليز في (قمران) لا مستقلا، ولا ندري كيف يكون تنفيذ ذلك، وإنما

ظاهره يدل على ترجيح ملك الحجاز رفض قبول الحجاج الذين يحجر عليهم في

(الطور) محجر الحكومة المصرية الإسلامية، وحتم أن يحجر عليهم، ولو مرة

ثانية في محجره بجزيرة (أبي سعد) مع أن هذا تضييق على الحجاج ليس له

مسوغ شرعي ولا فني.

(المادة الثامنة) يتعهد فيها ملك الإنجليز بأن لا يتدخل في التدابير التي

يتخذها ملك الحئجاز للاعتناء بالحجاج، ويتعهد ملك الحجاز بأن يعضد المساعي

التي يبذلها الرعايا البريطانيين المسلمون لمساعدة الحجاج في الحجاز.

ونقول: لماذا جعل ملك الحجاز لملك الإنجليز حقا في الاعتراف له بالاعتناء

بالحجاج، إذا لم يكن هذا مبنيا على أن الحجاز داخل في دائرة الإمبراطورية؟ ثم

ما هذا الاعتناء الذي يريده ويرى أنه لا يتم له إلا بإجازة ملك الإنجليز؟ إن الذي

يتبادر إلى الذهن أن العناية بالحجاج إنما تكون بتأمين البلاد وتسهيل الطرق وتوفير

المياه والعناية بمواد الغذاء والنظافة وتحتيم الاعتدال في أجور الجمال والمساكن -

فهل يحتاج شيء من هذا إلى إجازة ملك الإنجليز، وهو من أمور الإدارة الداخلية

المحضة؟ أم لهذه الكلمة معنى سياسي خفي يراد به التحكم في الحجاج بمصادرة

أموالهم وضرب المكوس عليهم، وإذا كان هذا أو ذاك يتوقف على إجازة ملك

الإنجليز؛ لأن له رعايا من الحجاج فلماذا لا يتوقف على إجازة سائر الدول

والحكومات التي لها رعايا يحجون كمسلمي الدولة البريطانية، وما وجه تخصيص

هذه الدولة بهذا الحق إذا لم يكن (منقذ الحجاز والعرب) قد جعل كل ما يدخل في

ملكه تابعا لمستعمراتها؟

ثم إن تعهد ملك الحجاز في هذه المادة بتعضيد مساعي الرعايا البريطانيين

لمساعدة الحجاج في نفس الحجاز يقتضي أن يقبل منهم بعد إمضاء هذه المعاهدة ما

منع منه الحكومة المصرية في هذا العلم من البعثة الطبية المرافقة لركب المحمل

المصري مع أننا رأينا في الاعتذار له عن قبولها أنه يفتح الباب لغير دولة مصر

من الدول غير الإسلامية لإرسال بعثات طبية، فما الذي أباح للبريطانيين ما حرم

على المصريين؟ أليست الدولة المصرية الإسلامية أولى بهذا من الدولة

البريطانية؟ إذا لم يكن الحجاز كله تابعا لهذه الإمبراطورية؟

(المادة التاسعة) (تنص على تعيين مبلغ محدود كي يدفعه كل حاج) .

ونقول: هذا نص صريح في ضرب المكوس على الحجاج بإطلاق. ولا شك

في أن هذا محرم بإجماع المسلمين ولا سيما إذا جعل شرطا لدخول الحجاز لأجل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٥٣