النسك كضريبة جواز السفر، ومن يستحله يكن مرتدا عن الإسلام، هذا حكمه
الشرعي، أما حكمه السياسي فيقال فيه ما قيل فيما قبله: لماذا جعل منوطا بإجازة ملك
الإنجليز له دون غيره من ملوك المسلمين وغيرهم الذين تضرب هذه المكوس على
رعاياهم؟ أوليس الواجب أن لا يكون في الحجاز نفوذ ولا وجود لأجنبي غير مسلم؟
وماذا يقول ملك الحجاز إذا خاطبته هذه الحكومات بأنه ليس له حق أن
يتقاضى من رعاياهن مكوسا بغير اتفاق معهن عليها كما اتفق مع الإنجليز؟ أيحتج
بالحماية والوصاية؟ أم يعاملها كما عامل الحكومة المصرية؟
(المادة العاشرة) في الاعتراف بما لرعايا كل من الحكومتين في بلاد
الأخرى من الصفة، وهي مجملة لا يمكن العلم بما فيها من ضر أو نفع إلا بعد بيان
صفة كل منها، وهو لا بد أن يكون مبينا في أصل المعاهدة.
(المادة الحادية عشرة) وما بعدها إلى (السادسة عشرة) في تفصيل
الامتيازات القضائية للإنجليز في بلاد الحجاز، وكل ما يتوقعون أن يدخل في ملك
حسين بن علي وكلها تنافي الاستقلال التام وتنفيذ الشرع الإسلامي في الحجاز في
المسلمين التابعين للدولة البريطانية، وهذه المسألة قد رفض المصريون مثلها في
مفاوضة الإنجليز، وقد رفضها الترك وما زالوا يجادلون ويناضلون في مؤتمر
الصلح حتى أنقذوا دولتهم من رقها، وملك الحجاز يقبلها في الحرمين الشريفين من
تلقاء نفسه بلا موجب ولا مقتض ولا مقابلة لها بمثلها، فما أذل هذا الرجل
للبريطانيين! وما أعزه وأعظم جبروته وكبرياءه على المسلمين! !
(المادة السابعة عشرة) (تعالج الشروط التي بموجبها يعترف صاحب
الجلالة البريطانية بعلم الجلالة الهاشمية) وهي مجملة لا يمكن بيان الرأي فيها إلا
بعد بيان الشروط المشار إليها فيها وستعلم متى نشرت المعاهدة بنصها.
(المعاهدة الثامنة عشرة) تصرح بأنه لا يجوز لأي الفريقين المتعاقدين
الساميين أن يعقد أية معاهدة أو اتفاق مع فريق ثالث ضد مصالح الفريق المتعاقد
السامي الآخر) .
ونقول: إن هذه مادة عادلة في صورتها لما فيها من التساوي، وإنما يقال فيها
ما يقال في المعاهدة بجملتها وهو أن الإنجليز يقيدون فيها الحجاز ولا يتقيدون معه
في شيء بالفعل، كما فعلوا فيما اتفقوا عليه عند حمله على الخروج على الدولة
العثمانية، وذلك أن المعاهدات عند أوروبة حجة القوي على الضعيف، والإنجليز
أبرع الأمم في التفصي من الوفاء بها بالتأويل، كما قال البرنس بسمارك، أو هي
عبارة عن عقد شركة بين طرفين متكافئين في القوة كما قال لويد جورج، وقد لدغ
الملك حسين من هذا الجحر المرة بعد المرة، ولا يزال لاصقا به متعرضا لتوالي
لدغه، فلم يكن له حظ من حديث: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) .
(المادة التاسعة عشر) (تنص على أن لا شيء في هذه المعاهدة يبطل ما قد
تعهد به أو قد يتعهد به أحد الفريقين المتعاقدين الساميين بمقتضى عهد جمعية الأمم)
ونقول: إن ذكر الفريقين الساميين هنا كغيره من المخدرات التي تخدر
أعصاب الملك حسين وتشغله بنشوة توهم مساواته بما يسميه (العظمة البريطانية)
فهو ما تعهد بمقتضى عهد عصبة الأمم بشيء وإنما تعهد الطرف الآخر بالانتداب
على أعظم بلاد العرب عمرانا وخصبا بالاشتراك بينه وبين فرنسا، فإمضاء الملك
حسين لهذه المعاهدة يسلبه حق مطالبة الإنجليز بتركها هذا الانتداب على العراق
وفلسطين وشرق الأردن أو إلغاء وعد بلفور الداخل في صك الانتداب والوصاية
على فلسطين بمقتضى عهد جمعية الأمم.
(المادة العشرون) في تحديد مدة العمل بهذه المعاهدة وجعله سبع سنين،
وهي المدة التي يقدرها الإنجليز لفض المشاكل وحل المعضلات السياسية
والاقتصادية التي خلفتها الحرب الكبرى، ولتأسيس قوى الطيران والمواصلات
الجوية والحربية في شرق الأردن والعراق ومصر والقوة البحرية ومراكز الدسائس