بدليل يسلمه الخصم ولا دليل في المقام بهذه الصفة، فالوقوف على ذلك الأصل
المعتضد بالبراءة الأصلية هو وظيفة المنصف الذي لم يخبط بسوط هيبة الجمهور
ولا سيما وقد أيد هذا الأصل حديث: (ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها لعبا)
أخرجه أحمد وأبو داود.
ويشهد له ما سلف وأن أم سلمة جاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر
رسول الله صلى الله عليه وسلم فخضخضت - الحديث في البخاري وقد سبق - وقد
قيل: إن العلة في التحريم الخيلاء، أو كسر قلوب الفقراء؛ يرد عليه جواز
استعمال الأواني من الجواهر النفيسة وغالبها أنفس وأكثر قيمة من الذهب والفضة،
ولم يمنعها إلا من شذ، وقد نقل ابن الصباغ في الشامل الإجماع على الجواز وتبعه
الرافعي ومن بعده، وقيل: العلة التشبه بالأعاجم، وفي ذلك نظر لثبوت الوعيد
لفاعله ومجرد التشبه لا يصل إلى ذلك. وأما اتخاذ الأواني بدون استعمال فذهب
الجمهور إلى منعه، ورخصت فيه طائفة اه.
وقال الحافظ محمد بن إسماعيل الأمير في (سبل السلام شرح بلوغ المرام)
بعد ذكر الإجماع على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة وصحافهما ما
نصه (وأما غيرهما من سائر الاستعمالات ففيها الخلاف - قيل: لا تحرم لأن النص
لم يرد إلا في الأكل والشرب، وقيل: تحرم سائر الاستعمالات إجماعا، ونازع في
الأخير بعض المتأخرين وقال: النص ورد في الأكل والشرب لا غير، وإلحاق
سائر الاستعمالات قياسا لا تتم فيه شرائط القياس. والحق ما ذهب إليه القائل بعدم
تحريم غير الأكل والشرب فيها؛ إذ هو الثابت بالنص، ودعوى الإجماع غير
صحيحة، وهذا من شؤم تبديل اللفظ النبوي بغيره فإنه ورد بتحريم الأكل والشرب
فقط، فعدلوا عن عبارته إلى الاستعمال، وهجروا العبارة النبوية وجاءوا بلفظ عام
من تلقاء أنفسهم، ولها نظائر في عباراتهم. اه. المراد منه.
فأنت ترى أنه أنكر صحة الإجماع، ولو لم يكن من دليله إلا ما تقدم عن
الصحابة رضي الله عنهم لكفى، وأنكر صحة القياس هنا ولا ينكر كل قياس،
وهو قياس في مسألة فيها نص، ولو أراد النبي صلى الله عليه وسلم بيان تحريم
كل استعمال لصرح به، وهو إنما صرح ببعض الاستعمال فصدق على الباقي قوله:
(وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها) .
وقد لخص الحافظ ابن حجر الأقوال في المسألة في الفتح فقال في آخر شرحه
لأحاديث النهي عن الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة والتختم بالذهب وتعليله
ما نصه:
وفي هذه الأحاديث تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على كل
مكلف رجلا كان أو امرأة، ولا يلتحق ذلك بالحلي للنساء؛ لأنه ليس من التزين الذي
أبيح لهن في شيء. قال القرطبي وغيره: في الحديث تحريم استعمال أواني الذهب
والفضة في الأكل والشرب ويلحق بهما ما في معناهما مثل التطيب والتكحل وسائر
وجوه الاستعمال، وبهذا قال الجمهور، وأغربت طائفة شذت فأباحت ذلك مطلقا،
ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب، ومنهم من قصره على الشرب؛ لأنه
لم يقف على الزيادة في الأكل اه. المراد منه، وهو صريح في عدم الإجماع.
وقد أطال بعده في سرد ما عللوا به النهي والبحث فيه، فإن قيل: لا يبعد أن يكون
الإجماع قد وقع بعد ما ذكر من الخلاف، قلنا: إن هذا احتمال أرادوا به تصحيح
قول من ادعاه، ولا يصح أن يجعل الاحتمال دليلا، وفي حجية إجماع غير
الصحابة، وفي إمكانه ثم إمكان العلم به ما فيه من الخلاف، بل يصح أن يقال:
إن كون تحريم الاستعمال قول الجمهور، فيه نظر، فإنه غير منقول عن كثير من
علماء السلف الذين يعتد بعلمهم، وإنما قبلت هذه الأقوال بعد فشو التقليد فصار ما
عليه المقلدون الكثيرون يشتبه بما عليه الأئمة الكثيرون، وإن كانت كثرة المقلدين
كقلتهم باتفاق علماء الأصول، فأخذ زهاء مئتي مليون من حنفية هذا الزمان بقول
أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن رفع اليدين عند الركوع والقيام منه مكروه مثلا،