(أحدها) أن لبسه للخاتم كان قبل التحريم فهو منسوخ، وأدنى ما يرد به هذا
القول إلى الأدب في التعبير أنه قيل عن غفلة، فإن الروايات في لبس البراء
للذهب صريحة في أنه كان بعد النهي، بل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم
فإن كان هنالك نسخ، فالمنسوخ هو تحريم الذهب لا إباحته.
(ثانيها) الخصوصية، وهو ضعيف بل باطل أيضا، لا لقولهم: (إن
الخصوصية خلاف الأصل) فقط؛ بل لأن الحلال والحرام لا تثبت فيه خصوصية
للأفراد لذواتهم، وإنما تناط الرخص بأسباب تقتضيها، وليس هذا الموضع بالذي
يتسع لشرح هذه المسألة.
(ثالثها) اعتقاد أن النهي للكراهة وهو أقربها، ولكن فيه أن بعض أحاديث
النهي تتضمن الوعيد، وهو لا يكون إلا على المحرم، ويجاب بأن حديث البراء
المتفق عليه ليس فيه وعيد، ولو ثبت الوعيد عنده أو عند غيره من أكابر الصحابة
الذين روي عنهم التختم بالذهب لما لبسه أحد منهم، ومن المستبعد أن يخفى عليهم،
ويجوز أن يكون الوعيد عندهم مقيدا بقيد كالإسراف أو الخيلاء مما لا ينطبق عليهم.
هذا، وإن حديث البراء وحديث علي رضي الله عنه في النهي يشتملان على
النهي عن لبس القسي (بفتح القاف وتشديد السين والياء) من الثياب - وهي ثياب
مصرية فيها شيء من الحرير - وعن المياثر الحمراء أو من جلود السباع أو مطلقا
جمع ميثرة بالكسر، وهي حشايا صغيرة كان النساء يصنعنها للرجال فتوضع على
سرج الفرس أو رحل البعير، وكن يصنعنها من الأرجوان الأحمر أو جلود السباع
أو الديباج، وقد سبق إليها العجم فكان مما علل به النهي عنها تقليدهم والتشبه بهم،
وهو سبب عارض، وفي تحريمها خلاف بين الفقهاء أقواه أن النهي يكون للتحريم
إذا كانت حريرا خالصا أو أكثرها من الحرير. وللتنزيه إذا لم تكن كذلك، على أنه
صح النهي عن الأحمر مطلقا وعن جلود النمور، وفي تحريمهما خلاف مشهور.
(4) نقل النووي وابن المنذر الإجماع على ما ذكره السائل غير صحيح،
ونكتفي في بيانه والجواب عنه بما قاله أهل الرواية من فقهاء الحديث الواسعي
الاطلاع المستقلي الفكر: قال القاضي الشوكاني في نيل الأوطار ما نصه:
قال النووي: قال أصحابنا انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب وسائر
الاستعمالات في إناء ذهب أو فضة إلا رواية عن داود في تحريم الشرب فقط،
ولعله لم يبلغه حديث تحريم الأكل وقول قديم للشافعي والعراقيين، فقال بالكراهة دون
التحريم وقد رجع عنه، وتأوله أيضا صاحب التقريب، ولم يحمله على ظاهره،
فثبتت صحة دعوى الإجماع على ذلك، وقد نقل الإجماع أيضا ابن المنذر على
تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة إلا عن معاوية بن قرة.
وقد أجيب من جهة القائلين بالكراهة عن الحديث بأنه للتزهيد بدليل: (إنها
لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) ورد بحديث: (فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم)
وهو وعيد شديد، ولا يكون إلا على محرم. ولا شك أن أحاديث الباب تدل على
تحريم الأكل والشرب، وأما سائر الاستعمالات فلا. والقياس على الأكل والشرب
قياس مع فارق، فإن علة النهي عن الأكل والشرب هي التشبه بأهل الجنة حيث
يطاف عليهم بآنية من فضة، وذلك مناط معتبر للشارع كما ثبت عنه صلى الله عليه
وسلم لما رأى رجلا متختما بخاتم من ذهب فقال: (ما لي أرى عليك حلية أهل
الجنة) أخرجه الثلاثة من حديث بريدة وكذلك في الحرير وغيره، والإلزام تحريم
التحلي بالحلي والافتراش للحرير؛ لأن ذلك استعمال، وقد جوزه البعض من القائلين
بتحريم الاستعمال.
وأما حكاية النووي للإجماع على تحريم الاستعمال فلا تتم مع مخالفة داود
والشافعي وبعض أصحابه وقد اقتصر الإمام المهدي في (البحر) على نسبة ذلك إلى
أكثر الأمة على أنه لا يخفى على المنصف ما في حجية الإجماع من النزاع
والإشكالات التي لا مخلص عنها. والحاصل أن الأصل الحل فلا نثبت الحرمة إلا