لا يخرجه عن كونه قول فرد أو أفراد. ولا يلحقه بقول الجمهور لكثرتهم، بل جمهور
العلماء المجتهدين من سلف الأمة وقدوتها على سنية الرفع، ورواه البخاري عن
خمسين من الصحابة. بل لو خالف أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رضي الله عنهم
سائر علماء عصرهم فهم ومن قبلهم سواء في المسألة، أعني أنه لا يقال: إنها مذهب
جمهور الأمة بأخذ ثلاثمائة مليون من اتباعهم بها، فإن هؤلاء الملايين ليس لهم قول؛
لأنهم مقلدون لغيرهم لا مستدلون، ولكن بعض أتباع هؤلاء الأئمة صاروا يسمون
اتفاقهم إجماعا، وألفوا في ذلك كتبا جمعوا فيها ما اشتهر من هذا الاتفاق، على أنه
غير حجة في الدين باتفاق علماء الأصول كما يأتي، بل من المؤلفين من يطلق كلمة
الإجماع على اتفاق علماء مذهبه، وقد يتوهم هؤلاء وأولئك أن ذلك هو الإجماع الذي
جعل حجة لعدم علمهم بالمخالف، ولا غرو فأقل المقلدين من له اطلاع على أقوال
سلف الأمة وأئمتها المخالفين لمذهبه.
(5) السؤال عما يعرف به الإجماع، وجوابه أنه يعرف بالنقل الذي لا
معارض له، وكان العلم بالإجماع من أشق الأمور في العصر الأول، ويكاد يكون
من المتعذر بعده، بل قال بعضهم: إنه متعذر حتى الإجماع السكوتي المختلف فيه،
ولهذا كثر خطأ الذين حاولوا ضبط ما عرفوه من مسائله كابن المنذر وابن حزم
ولدينا رسالة لابن تيمية في تخطئة ابن حزم في كثير مما نقل الإجماع عليه. وأما
تحقيق الحق في مسألة حجية الإجماع فقد فصلناه في تفسير {أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول وأولي الأمر منكم} (النساء: 59) [1] فلا نفرد لها بحثا هنا.
(6) قول السائل: إننا بنينا فتوانا على ما ذهب إليه داود ومن وافقه من منع
القياس. فهو سهو منه يظهر له بمراجعة الفتوى، وإنما بنيناها على نص القرآن
وقاعدة البراءة الأصلية وحديث (وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا
عنها) وما في معناه، وتخصيص القياس بما عدا الزيادة في العبادات والتحريم
الديني المحض، وهذا مذهب المحققين من فقهاء الحديث وغيرهم.
وقد حققنا مسألة الاحتجاج به واختلاف أهل الحديث وأهل الرأي فيه حيث
حققنا مسألة الإجماع كما بيناه آنفا، فيراجع هنالك فإنه طويل ونفيس جدا.
(7) قوله: فقد وقع هنا سوء ظن لمخالف إجماع المذاهب. نقول: ما هذه
المذاهب التي أساءوا الظن بمن ينقل ما خالفها؟ الظاهر أنهم يعنون مذاهب أئمة
الفقه الأربعة الذين ينتمي إليهم أكثر مقلدة المسلمين السنيين: أبي حنيفة ومالك
والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم، فإن كانوا يسيئون الظن بمن ينقل ما
يخالف أقوالهم وأقوال أتباعهم، فسوء ظنهم هذا يتناول أساطين علماء الإسلام
الأعلام من المفسرين والمحدثين والمتكلمين والأصوليين، وإن كانوا يسيئون الظن
بمن يخالف مذاهبهم في العمل فهم يسيئون الظن بكل المجتهدين في زمنهم ومن
بعدهم، ويشرعون للناس حجية إجماعهم، وهذا شرع لم يأذن به الله، ولم يقل به
أحد من علماء الأصول المنتمين إليهم ولا من غيرهم؛ بل جمهور هؤلاء
الأصوليين يشترطون في الإجماع اتفاق المجتهدين في عصر من الأعصار، حتى
إنهم منعوا الاحتجاج بإجماع الخلفاء الأربعة مع ما ورد في الحديث من جعل سنتهم
كسنته صلى الله عليه وسلم، وإجماع أئمة آل البيت مع ما ورد من حديث الثقلين
وغيره، وإجماع أهل المدينة في عصر التابعين وتابعيهم الذي جرى عليه الإمام
مالك. فهل يقولون بحجية إجماع أربعة من المجتهدين كان عدد المجتهدين في
عصرهم غير محصور، وجميع هؤلاء الأصوليين يقولون - بالتبع لأئمة السلف -
كلهم بوجوب اتباع الدليل وتحريم التقليد ورد كل قول أحد يخالف نص الكتاب
والسنة، وهذا منقول عن الأئمة الأربعة نقلا لا نزاع فيه فهو مما أجمعوا عليه، بل
نقل ابن حزم الإجماع العام على النهي عن التقليد، وإنما أباح التقليد المقلدون وأولوا