الطوسي من أئمة الشافعية، وقد نقل هذا العلامة الكردي المدني في حاشيته على شرح
ابن حجر الهيتمي، قال ما محصله: اختلف في تسويد النبي صلى الله عليه وسلم
عقب التشهد، فقيل بجوازه تأدبا، وقيل بكراهته، وقيل بحرمته، وقال الطوسي من
أئمتنا: إنها مبطلة. قال الكردي بعد هذا: ولعل الطوسي غلط اه وقد تبين مما
تقدم أنه الحق، وأما تغليطه إياه فهو مبني على ما قدمه من جوازها تأدبا، وعلى ما
قاله بعض المتأخرين من الشافعية وهم شذوذ بالنسبة إلى المتقدمين؛ لأن القول
بجوازها تأدبا يؤدي إلى رفع الأدب عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو ما لا
يجترئ على القول به ذو دين.
هذا ولم يقل بجوازها أحد من الأئمة الأربعة، ولم ينقل عن أحد من أصحابهم
القول بالجواز. هذا ما يتعلق بها من حيث الفروع والأصول. وإن فيه لمقنعا لمريد
الحق المنصف.
***
مسألة التوسل
والمسألة الثانية من الرسالة موضوعها ما ادعاه بعض من انتمى إلى العلم من
سنية التوسل مرتكنا فيه على حديثين: أحدهما (اللهم إني أسألك بحق السائلين
عليك) الثاني ما ورد في تفسير الكلمات التي تلقت آدم أو تلقاها في قوله تعالى:
﴿فتلقى آدم﴾ (البقرة: 37) الآية، وإنا نتكلم على كل من الحديثين ثم نفصل
المسألة من حيث المنقول فيهما عن الأئمة بالإيجاز، فنقول في شرح الحديث الأول،
وخير ما فسرته بالوارد
جاء من حديث معاذ عند مسلم ما ملخصه: (إن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا
يشركوا به شيئا، وإن حقهم عليه إذا هم فعلوا ذلك ألا يعذبهم) فمعنى حق السائلين
أي العابدين المخلصين في عبادتهم - كما يؤخذ من الحديث - هو أن تشملهم رحمته،
وحينئذ يرجع معنى الحديث إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل الله أن يدخله
في رحمته؛ لأنه خير عابد مخلص بصفة من صفاته الذاتية وهي الرحمة المبينة في
حديث: (إن رحمتي سبقت غضبي) وسؤال الله بصفة من صفاته لا شيء فيه،
وليس هو توسلا بذات مخلوق أو عمله بل هو مسئول بجزاء على عمل الإنسان نفسه
في مقابلة عمله كما يوضحه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ (إذا هم فعلوا
ذلك) فإذا كان معنى الحديث ما قدمناه لم يدل على سنية ما زعم من التوسل ولا على
جوازه. وإنا ننقل عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم خصوصا أئمة المذاهب الأربعة
وأصحابهم عدم الجواز.
رأي أبي حنيفة وأصحابه:
قال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز أن يسأل بمخلوق ولا يقول أحد: أسألك
بحق أنبيائك. قال أبو الحسين القدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى (بشرح
الكرخي) بعد أن ذكر ما تقدم ما نصه: وقد ذكر هذا غير واحد من أصحاب أبي
حنيفة، قال بشر بن الوليد: حدثنا أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: لا ينبغي لأحد
أن يدعو الله إلا به. وقال أبو يوسف: أكره أن يقول: بحق فلان، أو: بحق أنبيائك
ورسلك، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام، وقال القدوري: المسألة بخلقه لا
تجوز؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا تجوز وفاقا. وما يقول فيه أبو حنيفة
وأصحابه: (أكره كذا) هو عند محمد حرام، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف إلى
الحرام أقرب وجانب التحريم عليه أغلب.
رأي الشافعية:
في فتاوى أبي محمد العز بن عبد السلام ما نصه: لا يجوز سؤال الله بشيء
من مخلوقاته لا الأنبياء ولا غيرهم. ثم قال: وأتوقف في جوازه بنبينا صلى الله
عليه وسلم لأني لا أعرف صحة الحديث فيه. والحديث الذي يشير إليه هو
(توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم) [4] حديث باطل باتفاق الحفاظ، ونقل ابن
القيم أن الدعاء عند القبر والصلاة عنده والتمسح به لأنه قبر فلان الصالح: بدع
منكرة باتفاق أئمة المسلمين. وإن ما ينقله بعض الجهلة من دعاء الشافعي عند قبر
أبي حنيفة كذب ظاهر اه.
ونقل الثوري عن الشافعي ما نصه: أكره أن يعظم مخلوق. واصطلاحه في
مثل هذه العبارة معروف، وهو التحريم.