تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مع ما هو معروف عنهم من إكباره صلى الله عليه وسلم وإجلاله - لهو أبلغ إجماع

على عدم الإتيان هذا، وقد روى النسائي عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه

أنه قال: (انطلقت في وفد من بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا:

أنت سيدنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: السيد الله، قلنا: وأعظمنا

وأفضلنا، قال: قولوا بقولكم- أو: بعض قولكم - أنا محمد عبد الله ورسوله، ما

أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي رفعني الله عز وجل) . فهذا الحديث صريح في

نفيها من وجهين: الأول دلالة الفحوى، فإنها إحدى طرق القصر، وذلك قوله:

(السيد الله) فإنها جملة معرفة الطرفين مفيدة للحصر؛ ولهذا وقع الرد بها في

القرآن ردا على الحصر ب (إنما) في قوله تعالى: ﴿ألا إنهم هم المفسدون﴾ (البقرة: 12) ردا لقولهم: ﴿إنما نحن مصلحون﴾ (البقرة: 11) وأمثال هذا

كثير.

الوجه الثاني: بالمنطوق، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (ما أحب أن

ترفعوني.. .) إلخ، ومنزلته بالحصر ﴿محمد رسول الله﴾ (الفتح: 29) وقوله:

﴿وما محمد إلا رسول﴾ (آل عمران: 144) وأمثال هذا.

فقد تبين من هذا أن كلا من الكتاب والسنة والإجماع يمنع الإتيان بها، ولا

يجترئ مسلم على القول بأن الصحابة (رضى الله عنه) اجتمعوا على منكر وهو

ترك شيء من الدين، وبهديهم اهتدى التابعون لهم بإحسان فمن بعدهم حتى دب

الفساد في المسلمين، وغلبت الأهواء على أئمة الدين، فجاءوا بالاستحسان

والمصالح المرسلة فزلزلوا سلطان الدين من النفوس [1] حتى صار لا يسمع إلا قول

فلان وفلان وصار الدين وضعا فكريا لا وضعا إلهيا.

وأما القياس فهو بنفيها أشبه وإن لم تكن إليه حاجة بعد النصوص؛ لأنه إنما

يستدل به فيما لا نص فيه، وقد قدمنا النصوص من الكتاب والسنة والإجماع ومع

ذلك فهو قاطع في نفيها، ولنورد على ذلك بعض الأمثلة:

لا يجهل أحد أن أفضل ما ينطق به اللسان هو القرآن الكريم، وقد أجمعوا على

أنه لو أتى به في ركوعه أو سجوده كان مخالفا للسنة، وقد روى مسلم في صحيحه أن

رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رفع سجاف حجرته في مرضه الذي مات فيه

فأشرف على الصحابة وهم متأهبون للصلاة، فقال: (نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو

ساجدا) ولا يقال: إنه نهى عنه لإطالة الركوع والسجود لأن كثيره وقليله سواء في

النهي؛ ولأنه لو أطالهما بالتسبيح بمقدار سورة البقرة - ولا سيما في النوافل - لما

بطلت صلاته، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في ركعة واحدة البقرة ثم

النساء ثم آل عمران ثم كان سجوده قريبا من ركوعه المذكور. رواه مسلم. فالسيادة

التي ليست بذكر ولم ترد في شىء مما تقدم من الأدلة أولى بالمنع.

مثال آخر: قال الإمام النووي في شرحه حديث كيفية تعليم النبي صلى الله

عليه وسلم للصحابة رضي الله عنهم أن يصلوا عليه، ما حاصله: أن قول القائل في

الصلاة (ورحمت) قبل (وباركت) أو بعدها - غير جائز وإن وردت في حديث

غريب؛ لأن العبادة لا يؤخذ فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن الخالي عن علة

كالغرابة ونحوها اه.

فالسيادة أولى بالمنع لعدم ورودها ولا في حديث موضوع، بل ورد النهي عنها

كما تقدم في حديث النسائي فهي إحداث محض في الدين [2] مردودة على محدثها،

عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. يشهد بذلك قوله صلى الله عليه

وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية: (من عمل

عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم عن عائشة [3] .

هذا ما يتعلق بها من حيث الأصول الأربعة المعول عليها. ولنرجع إليها من

حيث الفروع، فنقول: مذهب الشافعي أن كل كلام أجنبي - أي غير مشروع -

مبطل للصلاة ولو حرفا مفهما أو حرفين وإن لم يفهما. وقد تبين مما تقدم أنها كلام

أجنبي بالمعنى المذكور، والقول بالبطلان ليس بدعا منا، بل هو قول المحقق

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٤١