تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شعوب أخرى بغير تصرف ولا اجتهاد فيها تحوله به إلى ما يلائم عقائدها وآدابها

ومصالحها التي كان الشعب بها شعبا مستقلا بنفسه - فإنها لا تلبث أن تزداد فسادا

واضطرابا، ويضعف فيها التماسك والاستقلال الشعبي فيكون مانعا من الاستقلال

السياسي وما يتبعه. فشرع الأمة عنوان مجدها وشرفها وروح حياتها ونمائها،

وأعجب ما مني به بعض الشعوب الإسلامية أن ترك شريعة له ذات أصل ثابت في

الحق وقواعد كافلة للعدل والمساواة واستبدل بها قوانين شعوب أخرى هي دونها

فأصبحوا ولا إمام لهم في حياتهم الاشتراعية من أنفسهم بل هم يقتدون فيها بأفراد

من الأعاجم يقلدونهم بما خسروا به أهم مقومات أمتهم وأعظم مظهر من مظاهر

شرفهم، وهو الاشتراع.

لا تتسع هذه الخلاصة التي نكتبها في هذا البحث لبيان أنواع الحكومات

الغابرة والحاضرة وشأنها في الاشتراع ومكان المسلمين فيه، وإنما نقول: إن

صحفنا العربية تصرح في هذا العهد آنا بعد آخر بأن أحدث أصول التشريع هو أنه

حق للأمة، ويظن هؤلاء الذين يكتبون هذا وأكثر من يقرءون كلامهم أن هذا

الأصل من وضع الإفرنج، وأن الإسلام لا تشريع فيه للبشر؛ لأن شريعته مستمدة

من القرآن، والأحكام المدنية والسياسية فيه قليلة محددة - ومن السنة والزيادة فيها

على ما في القرآن قليلة ومناسبة لحال المسلمين في أول الإسلام دون سائر الأزمنة

ولا سيما زماننا هذا- وأن الإجماع والاجتهاد على استنادهما إلى الكتاب والسنة قد

انقطعا، وأقفلت أبوابها باعتراف جماهير علماء السنة في جميع الأقطار الإسلامية.

وأن هذا هو السبب في تقهقر الحكومات الإسلامية المتمسكة بالشريعة الدينية،

واضطرار الحكومتين المدنيتين الوحيدتين - التركية والمصرية - إلى استبدال

بعض القوانين الإفرنجية بالشريعة الإسلامية تقليدا ثم تشريعا.

ذلك ظن الذين يجهلون أصول الشريعة الإسلامية وأساس الاشتراع فيها الذين

لا يفرقون بين الإصلاح الفقهي والاصطلاح المصري في التشريع فيعمي عليهم

الحقيقة اختلاف الاصطلاح: ذلك بأن اسم الدين والشرع قد يستعملان استعمال

المترادف وإن كان بينهما عموم وخصوص، فإنهم كثيرا ما يخصون الشرع

بالأحكام القضائية أو العملية دون أصول العقائد والحكم والآداب التي هي قواعد

الدين المتعلقة بصلاح المعاش والمعاد، ولذلك جعلوا الفقه قسمين: عبادات

ومعاملات، والفقهاء يفرقون فيها بين الديانة والقضاء. يقولون: يجوز هذا قضاء

لا ديانة. وتسمى الأحكام العملية دينا باعتبار أنها يدان بها الله تعالى فتتبع إذعانا

لأمره ونهيه. وبهذا الاعتبار تطلق كلمة (الشارع) على الله تعالى، وأطلقت على

النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مبلغ الشرع ومبينه، ومن العلماء من قال: إن الله

تعالى أذن له أن يشرع، والجمهور على أنه مبلغ ومبين لما نزل عليه من

الوحي وأن الوحي أعم من القرآن.

والتحقيق أن هذا كله خاص بأمر الدين وهو ما شرع ليتقرب به إلى الله تعالى

من العبادات، وترك الفواحش والمنكرات ومراعاة الحق والعدل في المعاملات

تزكية للنفس وإعدادا لها لحياة الآخرة. ومنها ما في المعاملات من معنى الدين

كاحترام أنفس الناس وأعراضهم وأموالهم والنصح لهم وترك الإثم والبغي والعدوان

والغش والخيانة وأكل أموال الناس بالباطل. وأما ما عدا ذلك من نظام الإدارة

والقضاء والسياسة والجباية وتدبير الحرب مما لا دخل للتعبد والزلفى إلى الله في

فروعه إلا بعد حسن النية فيه، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم في زمنه

مشترعا فيه باجتهاده مأمورا من الله بمشاورة الأمة فيه، ولا سيما أولي الأمر من

أفرادها الذين هم محل ثقتها في مصالحها العامة وممثلو إرادتها من العلماء والزعماء

والقواد، وهو كذلك مفوض من بعده إلى هؤلاء أنفسهم، ويخلفه لتمثيل الوحدة من

يختارونه إماما لهم وخليفة له.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٨٦