تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت تشاهد في كل زقاق وشارع وبلد من القطر الهندي العظيم، فكان الناس

يتنافسون في التصدي للاعتقال والسجن والذين كانوا لا يعتقلون لسبب ما كانوا

يتحسرون على أنفسهم حتى الصبيان كانوا يبكون شوقا إليه ويلحون على الشرطة

أن تعتقلهم! فكم من مئات منهم دخلوا السجون بإلحاح شديد وودعتهم أمهاتهم بدموع

الفرح ولم يكن المتطوعون وحدهم يقدمون أنفسهم للاعتقال بل كان الألوف من

المارة والسوقة إذا رأوهم على هذه الحالة يتحمسون فيتزاحمون ويقولون للشرطة:

نحن أيضا منهم فاقبضوا علينا، فكان يقبض عليهم ويرسلون إلى السجون.

ولم يمض على هذه الحالة أسبوع إلا بدت علائم الملل والفتور والهزيمة على

وجه الحكومة؛ لأن السجون على كثرتها وسعتها كانت قد امتلأت؛ وكذلك جميع

تلك الأبنية التي استخدمت لهذا الغرض، واختل النظام والضبط في السجون

وعجزت الحكومة على تهيئة الطعام والشراب للمسجونين الوطنيين، فاضطرت

إلى أن تخلي سبيل ألوف منهم، فباب السجن كان يفتح وينادي المنادي فيهم (من

كان منكم يريد الذهاب فليذهب) ولكنهم كانوا يأبون الذهاب، فيحملون على

الأكتاف ويلقون وراء الباب، فيذهبون إلى الأسواق فيعصون الأوامر فيؤسرون

فيرجعون إلى السجن حيث كانوا قبل ساعات. فلما رأت الحكومة ذلك امتنعت من

إرسالهم إلى السجون فكانت تعتقلهم نهارا وتطلقهم ليلا من مراكز الشرطة غير أنهم

بمجرد خروجهم يعودون إلى عملهم القديم.

ضجرت الحكومة من هذه الحالة ضجرا شديدا، وأيقنت أن النار لا تخمد ما

دام الزعماء على حريتهم، فمدت يدها إليهم، وهم قد كانوا مستعدين لإجابة دعاتها

من أول يوم، معتقدين أنه لا بد لتقوية الحركة وتكميل العمل من سجنهم أنفسهم،

فألقي القبض على صاحب الخطاب في 10 ديسمبر سنة 1921 فذهب إلى السجن

بوجه ضاحك، وثغر باسم.

وقد كان - حفظه الله - أعلن قبل أسره بساعات في بلاغ إلى الأمة أنه

سيقبض عليه، ففي تلك الساعة يبتلي عزمها وثباتها، وقد جاءت تلك الساعة

ورأت الحكومة أن تلك الحركة أصبحت أقوى وأشد من قبل، حتى بلغ عدد

المسجونين خمسين ألفا.

ولم يمض على أسره أسبوعان إلا وقد وجدت الحكومة نفسها عاجزة ومنهزمة

أمام هذه الحركة، فاضطرت إلى أن تجنح للسلم، فأعلن الوالي العام في (كلكته)

لوفد من حزب الاعتدال أن الحكومة ترغب في الصلح، وترحب بهدنة تعقد له،

فهي تمسك يدها عن القبض والأسر وتطلق سراح جميع المسجونين، ويمسك

الزعماء عن أعمالهم، بدون أن يعترف أحد من الفريقين بالغلبة والانكسار،

فيجتمعان في مؤتمر، وفي هذا الوقت نفسه أعلن أن الحكومة الهندية لا تألو جهدا

في تقديم مطالب الهند في مسألة الخلافة إلى الحكومة المركزية. وهي مستعدة أيضا

لكل عمل مستطاع في المستقبل (وقد أرسلت الحكومة بعد هذا الإعلان بلاغها

الشهير بإمضاء الوالي العام وجميع ولاة المقاطعات إلى إنجلترا وهو الذي وقع

الخلاف في نشره بين اللورد كرزن والمستر ماتنغو القائم بأعمال الوزارة الهندية إذ

ذاك، فاضطر الثاني إلى أن يستعفي من خدمته) .

فلما دعيت جمعية الخلافة والجمعية الوطنية الكبرى إلى هذه الدعوة قبلتها

وأعلنت الهدنة، وقدمت الشروط الأساسية للمؤتمر المقترح، وكان الشرط الأول

منها أن تقبل حكومة لندرة المركزية كل ما يقرره المؤتمر غير أن الحكومة لم تقبل

هذا الشرط فعاد الحال كما كان.

(صاحب الخطاب)

أما صاحب الخطاب العالم العلامة الشيخ أبو الكلام أحمد فمن المؤسسين

للنهضة الجديدة الإسلامية في الهند - أقول من المؤسسين؛ لأنه لا يرضيه أن يقال

هو المؤسس لها- فإنه إلى سنة 1912 لم تكن في مسلمي الهند أي حركة عامة نافذة

قوية للإصلاح الديني ولا السياسي، فكانوا في الدين على جمود وتقليد ومحدثات،

وأما السياسة فلم يكن لهم فيها شأن فكانوا يجتنبونها ويخافون منها كأنها حية تنهشهم،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٦١