بهداية الإسلام - وهو أهل لما هو أرقى منها - لكانوا في المدنية أسرع سيرا، وأبعد
شوطا، ولما احتاج إحياء منصب الخلافة إلى سعي ودأب، ولا لتأليف حزب، على
أن الشعور الإسلامي من أقوى الوسائل المعنوية للنهضة، وإن كان بعض العاملين فيها
ليس لهم حظ منه؛ بل هم حرب له، بيد أن أكثرهم يعلم أنهم لا بد لهم من مراعاته
ومداراة أهله؛ لأنهم سواد الأمة الأعظم إلى أن يربوا جيلا جديدا يغرسون في أنفس
نشئه الشعور الجنسي المحض؛ ويكون هو صاحب الرأي العام في الشعب.
هذا ما نعلمه بالخبر من أمر النهضة في مصر والترك، بل قيل لنا: إن
نهضة الأفغان الجديدة تغلب عليها صبغة المدنية لا الصبغة الدينية، وهم أشد
الشعوب الإسلامية الناهضة تدينا، وأضعفهم تفرنجا، وقد يصح أن يقال: إنهم
ليسوا من التفرنج في شيء، فإننا نعني به الافتتان بتقليد الإفرنج في مظاهر حياتهم
وعاداتهم وشكل حكوماتهم، لا العلوم والفنون والصناعات والنظم التي راجت
سوقها في هذا العصر عندهم، بعد أن كنا نحن أحق بها وأهلها، في قرون طويلة
كانوا فيها محرومين منها. وخير ما بلغنا عن الأفغان في نهضتهم هذه أنهم يعنون
باقتباس الفنون الزراعية والصناعية من أوروبا دون الفنون الأدبية والعلوم القانونية،
فإن لهم في آداب الإسلام وشريعته غنى عن ذلك، ولا سيما إذا سلكوا فيها مسلك
العلم الاستقلالي المعبر عنه بالاجتهاد. فالترقي الإسلامي يتوقف عليه في تجديده
مثلما توقف عليه في مبدئه. كما أبدأنا وأعدنا مرارا ولا بد من التكرار الكثير في
مثل هذا. ولو كان الأفغان متصلين بجزيرة العرب وجعلوا العربية لغتهم الرسمية
لكانوا أجدر الشعوب الإسلامية بالسبق إلى إحياء منصب الخلافة، على أن الرجاء
في تجديدهم مدنية الإسلام في الشرق عظيم، ولا غرو فموقظ الشرق وقائده في هذا
العصر قد خرج من بلادهم.
لا يمكن للمسلمين أن يجمعوا بين هداية الإسلام وحضارته من حيث هو دين
سيادة وسلطان إلا بالاجتهاد في شرعه الواسع المرن، فترك الاجتهاد هو الذي رد
بعضهم إلى البداوة التي قضى عليها أو إلى ما يقرب منها، وطوح ببعضهم إلى
التفرنج والإلحاد والسعي إلى التفصي من الدين.
مثال ذلك: أن الترك نصبوا خليفة متقنا لصناعتي التصوير والموسيقى
وللعزف بالآلات الوترية، وكل من هذين العملين محرم ومسقط للعدالة في المذاهب
الأربعة، ومن أشدها فيه مذهب الحنفية الذي ينتمي إليه الشعب التركي، وقد ردت
المحكمة الشرعية بمصر شهادة أستاذ موسيقى (موسيقار) من عهد قريب. ولكن
لكل من المسألتين تخريجا في الاجتهاد كما سنشير إليه في هذا البحث. وقد سئل
الغازي مصطفى كمال باشا في أثناء سياحته الأخيرة في الأناضول عن صنع
التماثيل ونصبها في البلاد أليس محرما شرعا؟ - وقد روي أنهم سينصبون له
تمثالا في أنقرة - فأفتى بأنه غير محرم اليوم كما كان محرما في أول الإسلام
وقرب العهد بالوثنية وجزم بأنه لا بد للأمة التركية من الاشتغال بنحت التماثيل؛
لأنه من فنون حضارة العصر الضرورية، واستشهد أو استدل على حله بما رأى
في مصر من التماثيل.
وقد أفتى لنفسه وللحكومة في مسألة اختلاط النساء بالرجال، ومشاركتهم لهم
في الأعمال، بل سن فيها سنة جديدة إذ عقد له في أزمير على فتاة متفرنجة
حضرت مجلس العقد بنفسها ووقفت تجاهه فيه وسألها القاضي عن رضاها به بعلا
فأجابت، وسجل زواجهما وطفقت بعد تسافر معه بزي الفرسان، وتقابل معه من
يلقى من الرجال، وقد صرح في مسألة النساء وما سيكن عليه في الأمة التركية
الجديدة بما لا يرضاه كله رجال الدين والمتدينون، ولا يزال يسئل عن المشكلات
المتعلقة بشئون الأمة الدينية فيفتي برأيه فيخطئ ويصيب. ولا بد في أمثال هذه
المسائل من الموقف الوسط بين التقحم الجديد والجمود التليد، وإنما يكون بالاجتهاد