الترك، ولكن هذه الحكومات غير قادرة الآن على إظهار حضارة الإسلام، ولا على
نشر دعوته الصحيحة على الوجه الذي يحرك إلى النظر كما اشترط بعض علماء
الكلام. والترك أقدر منهم على الأول وأعظم عونا على الثاني إذا قنعوا بإقامة الإمامة
الحق على صراطها المستقيم. فكل من هذين الشعبين يمكن أن يكمل ما ينقص الآخر
في ذلك مع استقلال كل منهما في إدارة بلاده وسياستها والسيادة فيها وارتباط كل
حكومة مستقلة فيهما - وكذا في غيرهما - بمقام الخلافة مباشرة بالرضا والاختيار،
خضوعا لحكم الشرع من جهة وانتفاعا بما يمكن من الوحدة الإسلامية في كل وقت بما
يناسبه من جهة أخرى.
لو اتفق رؤساء حكومة جزيرة العرب على جعل واحد منهم خليفة للمسلمين
وبايعوه مع علماء بلادهم وقضاتها وقوادها لما كان للترك أدنى وجه لمعارضتهم
بخليفة ينصبونه في الآستانة وإن أعطوه حقوق الإمامة الشرعية، وما هم بفاعلين.
بل لو اتفق أهل الحجاز وتهامة ونجد أو أكثرهم على مبايعة إمام اليمن المشهود
له بالعلم والعدالة والكفاية، وأعلن هذا أنه يجري على قواعد الاجتهاد في إمامته
ويقر أهل كل مذهب على مذهبهم - لما استطاع أحد من علماء المسلمين، لا العرب
ولا العجم، أن يطعن في خلافته أو يرجح عليها خلافة أخرى، إلا أن يتبع أحد هواه
فلا يكون لقوله قيمة، ولا سيما إذا قام هذا الإمام بالإصلاح الديني في الحجاز
وسائر بلاد العرب ونظم قوى الإمامة التنظيم الذي تقتضيه حالة العصر، وما هو
بعسير، وإذا فات هذه الإمامة اعتراف بعض الأقطار الإسلامية بها اليوم، فلا
يفوتها ذلك غدا بعد بث الدعوة، ولو في موسم الحج وحده، والدين عون لهم وظهير،
ولكن أكبر مصائب العرب التفرق وحب الرياسة.
ومكانة مصر تلي مكانة جزيرة العرب في هذا الأمر لو كانت مستقلة وأرادت
إقامة الخلافة الشرعية الصحيحة ولكن المتفرنجين فيها كالمتفرنجين في الترك يأبى
أكثرهم ذلك ويجهل قيمته، والدولة البريطانية عدوة الخلافة والعرب تعارض هذا
وذلك بكل قواها، وقد كان نصرها الترك على محمد علي خوفا من تجدد شباب
الإسلام بدولة عربية، وهي تعتقد أن الترك لا يجددون حياة الخلافة الصحيحة أبدا،
ولا ينشرون دعوة الإسلام، وكان هذا أحد أسباب تأييدها لهم ولخلافتهم في الجملة،
وكل ما قيل من أن الإنجليز كانوا يسعون لإقامة خلافة عربية في مصر أو الحجاز
قبل الحرب الكبرى فهو كذب محض، ولو فعلت ذلك مصر لاتبعها الحجاز حتما،
وكذا سورية إذا استطاعتا بل تتمنى هذه الأقطار اتباعها، ولو بدون إقامة الخلافة
فيها، ولعل أهل السنة وكثير من الشيعة في العراق لا يأبون هذه الوحدة العربية.
يظن بعض الناس أنه ينقص البلاد العربية شيء أهم من هذا الأمر السلبي،
وهو الضعف وفقد الشوكة التي يحمون بها الخلافة ومقام الخلافة، بله القدرة
على ما يقدر عليه الترك من الجهاد والفتح. وهذا الظن باطل، فإن اليمن وحدها قد
حفظت استقلالها ومنصب الإمامة فيها أكثر من ألف سنة، وإن الترك قاتلوا أئمة
اليمن زهاء أربعة قرون وما استطاعوا القضاء على إمامتهم ولا الاستيلاء على
جميع بلادهم، مع كثرة من ظاهر الترك من أهل البلاد بسبب اختلاف المذهب.
ولولا قوة اليمن لاستولى عليها الإنجليز من عهد بعيد كما صرح بذلك أحد ولاة عدن
منهم أمام زعيم عربي حضرمي، قال: لولا هذا الإمام الذي عنده نصف مليون مقاتل
لو قال لهم: ألقوا أنفسكم في النار، أطاعوه - لاستولينا على جميع جزيرة العرب
بغير قتال يذكر.
هذا وإن جزيرة العرب لا يخشى عليها من غير الإنجليز، وهؤلاء لا
يحاولون فتحها بالسيف والنار لموانع كثيرة- منها أنهم لا يقاتلون شعبا قويا حربيا
بالطبع في بلاد وعرة كثيرة الجبال والأودية خالية من سكك الحديد، وسائر أنواع
المواصلات، ومنها أن قتال أهل هذه البلاد كثير النفقات قليل الربح بل لا ربح فيه