طاوس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله
فأولئك هم الكافرون} (المائدة: 44) قال: هو بهم كفر وليس كمن كفر بالله
وملائكته وكتبه ورسله. وقال في رواية أخرى عنه: كفر لا ينقل عن الملة، وقال
طاووس: ليس بكفر ينقل عن الملة، وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن
عطاء: (كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق) وهذا الذي قاله عطاء
بين في القرآن لمن فهمه، فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزله كافرا،
ويسمى جاحد ما أنزله على رسوله كافرا. وليس الكافران على حد سواء، ويسمى
الكافر ظالما كما في قوله تعالى ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ (البقرة: 254)
وسمى متعدي حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالما فقال: {ومن يتعد
حدود الله فقد ظلم نفسه} (الطلاق: 1) قال يونس نبيه: {لا إله إلا أنت
سبحانك إني كنت من الظالمين} (الأنبياء: 87) وقال صفيه آدم: {ربنا ظلمنا
أنفسنا} (الأعراف: 23) وقال كليمه موسى ﴿رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي﴾ (القصص: 16) وليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم.
ويسمى الكافر فاسقا كما في قوله: {وما يضل به إلا الفاسقين * الذين
ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} (البقرة: 26-27) الآية، وقوله: {ولقد
أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون} (البقرة: 99) .
وهذا كثير في القرآن.
ويسمى المؤمن فاسقا كما في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم
فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} (الحجرات: 6) نزلت في الحكم بن أبي العاص وليس الفاسق كالفاسق، وقال
تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة
ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} (النور: 4) .
وقال عن إبليس: ﴿ففسق عن أمر ربه﴾ (الكهف: 50) وقال: {فمن
فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق} (البقرة: 197) وليس الفسوق كالفسوق.
والكفر كفران، والظلم ظلمان، والفسق فسقان وكذا الجهل جهلان، جهل كفر
كما في قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ (الأعراف:
199) وجهل غير كفر؛ لقوله تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء
بجهالة ثم يتوبون من قريب} (النساء: 17) .
كذلك الشرك شركان: شرك ينقل عن الملة، وهو الشرك الأكبر، وشرك لا
ينقل عن الملة وهو الشرك الأصغر، وهو شرك العمل كالرياء، وقال تعالى في
الشرك الأكبر: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار﴾ (المائدة: 72) وقال: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو
تهوي به الريح في مكان سحيق} (الحج: 31) وفي شرك الرياء: {فمن كان
يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} (الكهف: 110)
ومن هذا الشرك الأصغر قوله صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد أشرك)
رواه أبو داود وغيره ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن الملة ولا يوجب
له حكم الكفار. ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (الشرك في هذه الأمة أخفى
من دبيب النمل) .
فانظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم والجهل إلى ما هو كفر ينقل
عن الملة، وإلى ما لا ينقل عنها.
وكذا النفاق نفاقان: نفاق اعتقاد ونفاق عمل، فنفاق الاعتقاد هو الذي أنكره
الله على المنافقين في القرآن، وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار، ونفاق العمل
كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث
كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) وفي الصحيح أيضا: (أربع من كن
فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى
يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا اؤتمن خان)
فهذا نفاق عمل، وقد يجتمع مع أصل الإيمان، ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ
صاحبه عن الإسلام بالكلية، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى