المذكور إضعاف مقرراتنا وكان ذلك من غير وساطتكم وقبلناها فنكن (؟) من
المطرودين من رحمة الباري جل شأنه الرقيب على قولي هذا) . اه المراد منه.
وقد عزز الملك المتبجح بالاستقلال هذا الطلب الناطق بأنه موظف بريطاني
ببرقية بمعناه أرسلها إلى جريدة التيمس، وهذا نصها منقولا عن العدد 553 من
جريدة القبلة:
المدير العمومي لصحيفة التيمس
(اطلعت على عددكم المشتمل الرد والقدح باتحاد العرب والتزامكم أحد
أمرائهم، ولزيادة إقناع حكومة جلالة الملك وإيضاح الحقيقة لعموم الشعب النجيب
البريطاني أكرر بهذا طلبي بواسطتكم من حكومة جلالته تأكيد تعيين الأمير المذكور،
أو من تراه ليستلم البلاد، فإن غايتي الراحة العمومية وخدمتها كما يعلم من
أساسات قيامي وشرائطه يؤيده طلبي هذا المثبت للحقيقة من سائر وجهاتها)
الأمير المشار إليه في البرقية عدوه سلطان نجد، وقوله: (أساسات قيامي
وشرائطه) يعني به (مقررات النهضة) الخمس التي سبقت الإشارة إليها.
صفته الحقيقية وحكم الشرع فيها:
قد صرح بعض علماء الأزهر بما قلنا أنه صفة ملك الحجاز في نظر جمهور
المسلمين، وهو أنه من البغاة المتغلبين، وأحكام البغاة مفصلة في كتب الفقه، وهي
مبنية على وجود دار العدل التي يقيم الشرع فيها إمام المسلمين الحق وجماعتهم،
والإمام الحق هو المستجمع لشروط الخلافة كلها، المبايع من جماعة أهل الحل
والعقد باختيارها، في حال عدم وجود إمام آخر قد بويع قبله بها. ولهم مع الإمام
والجماعة أحوال أشبهها بحال هذا الرجل ما يعلم حكمه من قول العلامة الماوردي
في (الأحكام السلطانية) قال:
(وإن امتنعت الطائفة الباغية من طاعة الإمام ومنعوا ما عليهم من الحقوق
وتفردوا باجتباء الأموال وتنفيذ الأحكام - فإن فعلوا ذلك ولم ينصبوا لأنفسهم إماما
ولا قدموا عليهم زعيما: كان ما اجتبوه من الأموال غصبا لا تبرأ منه ذمة، وما
نفذوه من الأحكام مردودا لا يثبت به حق) .
(وإن فعلوا ذلك وقد نصبوا لأنفسهم إماما اجتبوا بقوله الأموال، ونفذوا
بأمره الأحكام: لم يتعرض لأحكامهم بالرد إلا لما اجتبوه بالمطالبة، وحوربوا في
الحالين على سواء؛ لينزعوا عن المباينة، ويفيئوا إلى الطاعة، ثم بين أن قتال
هؤلاء يخالف قتال المرتدين والمشركين من ثمانية أوجه) .
فإذا قلنا: إن الحال الأخير هي عين نازلة متغلب الحجاز وأنه يجب قتاله
على إمام المسلمين الأعظم (الخليفة) المؤيد بجماعتهم، فهذا الإمام هو الذي يجب
عليه أن يدعوه إلى الطاعة والاعتصام بالجماعة، ويقاتله على الإصرار على
البغي وعدم الإجابة، فأين هذا الإمام؟ ولماذا لم يفعل؟ وأين جماعة أهل الحل
والعقد الذين هم أهل الشورى عنده، والممثلين لسلطة الأمة في مراقبته وتأييده إذا
استقام على الطريقة، وتقويمه إذا زاع عنها، الذين حكمهم الخليفة الأول في ذلك
على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قد بينا في مباحث الخلافة تفرق المسلمين ونصب أئمة وسلاطين وأمراء
كثيرين لهم في بلاد العرب والعجم، ولكن لا نرى أحدا منهم يتصدى الآن للقيام
بأعباء الإمامة العظمى العامة ويدعو جميع المسلمين إلى مؤازرته على ذلك بنظام
يرجى تنفيذه في مهد الإسلام وموطن مشاعره وأداء شعائره، فنطالبه بأن يلزم هذا
الباغي الملحد في الحرم الطاعة له ويقاتله على ذلك إن لم يستجب.
أما خليفة الآستانة فلم يبلغ درجة المتغلب بالقوة؛ إذ لم يعط من حقوق الخلافة
شيئا، فلا حكم له ولا أمر ولا نهي ولا جيش ولا أسطول، وحكومة جمهورية أنقرة
الناصبة له قد أقرت الحالة الحاضرة في الحجاز في مؤتمر الصلح مع الحلفاء فهي
لا تبذل في إنقاذ الحجاز درهما ولا دينارا، ولا تجرد له جيشا ولا أسطولا، أعني
أنها لا تريد، وإذا أرادت لا تقدر. ولكن يرجى أن تشترك مع غيرها من
الحكومات الإسلامية في تنفيذ ما يقرره مؤتمر إسلامي عام في مسألة الحجاز.