كان من تأثيره؟
هب أهل فلسطين فعقدوا مؤتمرا عاما احتجوا فيه على المعاهدة وقرروا أنه
ليس للملك حسين أن يعقد معاهدة يتقرر فيها شيء في أمر بلادهم بدون رأيهم ولا
رضاهم، وهب مسلمو مصر وغيرها من الأقطار ينكرون على الرجل أن يكون له
حق في عقد معاهدة تجعل الحرمين الشريفين تحت حماية دولة نصرانية أو تجعل
لرعاياها أدنى امتياز في الحجاز، فما فعل المعتدي المفتات؟
كتب إلى الفلسطينيين يرجوهم أن يحسنوا الظن به ويفوضوا الأمر إليه
وهزئ وتهكم بإنكار المصريين عليه فرد عليهم في جريدته (القبلة) معبرا عنهم
بكلمة (أخو ثومها وبصلها) فلما اشتد الإنكار والاحتجاج منهم بغيرة الدين أصدر
منشورا رسميا جمع فيه بين تجهيلهم والتهكم بهم، وبين التعريض برميهم بالكفر بما
وضعوا من الدستور لحكومتهم، كما كفر الترك وحكومتهم من قبل بمثل ذلك. ولكن
أكثر المصريين لم يفهموا مراده هذا من منشوره لفساد لغته، وعدم علمهم برأيه في
القوانين والعاملين بها. فاشتغلوا بالتهكم بعبارته كما تهكم بهم بالإشارة إلى قول
الشاعر:
سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار
ذلك بأن جريدة القبلة كانت قد نشرت مقالة في تكفير الدولة العثمانية في أول
العهد بالثورة الحجازية؛ لتكون من حجج أمير مكة العثماني بالخروج على دولته.
ثم أعادت نشرها في أوائل هذا العام الهجري عندما اشتد النزاع بين الحكومة
التركية الجديدة والحكومة البريطانية؛ انتصارا من الملك الحجازي لدولته الحامية
له، واستدلت على كفر الترك بوضعهم للقانون الأساسي وبين أيديهم كتاب الله
وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والله تعالى يقول: {فلا وربك لا يؤمنون
حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا
تسليما} (النساء: 65) بل زعمت أنه لا يمكن لمن يزعم أنه يؤمن بما أنزل
على محمد صلى الله عليه وسلم التردد في حصول الحرج مما قضاه (في الذين
ألفوا القانون الأساسي وسنوا أحكامه ورضوه وارتضوه وجعلوه دستورا للأعمال
والأحكام. ولا مشاحة والحالة هذه في أنهم لا غاية ولا قصد لهم من اعتنائهم
بجمعه وتنسيقه إلا دعوى أن هنالك نقصا أو خطأ - والعياذ بالله تعالى - في كتاب
الله وسنة رسوله صلوات الله عليه وسلامه فأرادوا إكمالهما وتعديلهما وإلا
فلماذا؟) .
هذا أحد نصوص جريدة القبلة في تكفير الترك بوضع الدستور، وهو يتضمن
تكفير من لم يكفرهم به. ثم استدلت أيضا بعدم إقامتهم لحدود الزنا والسرقة
للقصاص الشرعي ومن شاء فليراجع العددين 617 و 624 من جريدة القبلة أو
المقالات التي رد عليها بها (السيد العلوي) ونشرت في جريدة الأخبار المصرية
في شهري صفر وربيع الأول من هذا العام ومنه يعلم مغزى استفتاء تهكم بلاغة
عسلطته [1] الهاشمية (ويا للأسف) في قوله: (تأليف الدستور - وبين أيديهم
كتاب الله وسنة رسوله) .
وبعد أن بين للمصريين مكانتهم من الدين عنده أراد أن يبين لهم مكانة
حكومتهم لدى جلاله، وقدر استقلالها في جنب استقلاله، فعارضها في إرسال بعثة
طبية من الحجيج المصري تنقص من استقلاله، وكان يقدر أنها تخضع لعزة
سلطانه كما خضعت في مسألة الحجر الصحي، ولم يخطر بباله أن تفعل ما فعلت،
أما وقد فعلت فكل شيء أسهل عليه من الرجوع عن قول قاله أو رأي أرتاه وعرف
عنه، لذلك أقدم على المشاكسة التي أدت إلى حرمان ركب المحمل الرسمي مع بعثه
الطبي من أداء فريضة الحج وحرمان أهل الحجاز مما كانوا يربحونه منهم بغير
مبالاة بسوء العاقبة وقبح الأحدوثة.
فهذا ملخص موقف الرجل في الحجاز: إصرار على عقد المحالفة مع
الإنجليز وتعجيل بما أباحته له من ضرب الضرائب على كل من يريد الحج إلى
بيت الله الحرام قبل دخول الحجاز، ومصادرة لأموالهم بعد دخوله، واستبداد في
أمر صحتهم، ومنع لمن شاء من الحج لأسباب سياسية أو مالية أو وهمية، كما منع