من موضوعنا هنا الترجيح بين الأقوال في المسألة، ووجد من العلماء من قاس
راتبة العيد على راتبة الجمعة، وهو شاذ. وقد اختلف العلماء في الصلاة قبل صلاة
العيد وبعدها بسبب اختلاف الأخبار والآثار. والتحقيق أنه لم تثبت لها سنة قبلها
ولا بعدها ولم يثبت منع خاص للتنفل قبلها أو بعدها، كما قال الحافظ في الفتح.
السؤال الثالث:
(أتجوز نية الصلاة مع التردد في كون المنوي فرضا أو نفلا؟ وهل يجوز
للمصلي أن ينوي فرضا معينا وركعات معدودات ثم يفعل غير ما نواه؟) .
(ج) لا تتحقق النية إلا بالعزم القاطع، ومن شروطها: العلم بالمنوي وعدم
الصارف عنه بأن يستصحبها حكما من أول الصلاة إلى آخرها، فلا يأتي بشيء
ينافيها، كما صرحوا به، ولكن بعض الفقهاء جوزوا تحويل الفرض نفلا لعذر
وتحويل الجمعة إلى الظهر إذا خرج الوقت؛ إذ عدوه شرطا لصحتها.
قال الشيخ موفق الدين الحنبلي في المغنى: وإذا دخل في الصلاة بنية مترددة
بين إتمامها وقطعها لم تصح؛ لأن النية عزم جازم، ومع التردد لا يحصل الجزم،
وإن تلبس بها بنية صحيحة ثم نوى قطعها والخروج منها بطلت وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا تبطل بذلك؛ لأنها عبادة صح دخوله فيها فلم تفسد بنية
الخروج منها كالحج ... إلخ (ثم قال) : وإذا أحرم بفريضة ثم نوى نقلها إلى
فريضة أخرى بطلت الأولى لأنه قطع نيتها، ولم تصح الثانية لأنه لم ينوها من
أولها. اه.
ثم ذكر خلافا عن الحنابلة في نقلها إلى نفل لعذر أو لغرض صحيح أو بدونه،
والراجح عندهم جوازه لغرض صحيح كالشافعية الذين توسعوا في العذر، ومثلوا
له بقول الشمس الرملي الشافعي في شرحه للمنهاج: ولو قلب المصلي صلاته التي
هو فيها صلاة أخرى عالما عامدا بطلت، أو أتى بمنافي الفرض لا النفل كأن أحرم
القادر بالفرض قاعدا أو أحرم به قبل وقته عامدا عالما - لم تنعقد صلاته لتلاعبه،
فإن كان له عذر كظنه دخول الوقت فأحرم بالفرض أو قلبه نفلا لإدراك جماعة
مشروعة وهو منفرد فسلم من ركعتين ليدركها أو ركع مسبوقا قبل تمام التكبيرة
جاهلا - انقلبت نفلا لعذره؛ إذ لا يلزم من بطلان الخصوص بطلان العموم. ولو
قلبها معينا كركعتي الضحى لم تصح لافتقاره إلى تعيين.ا. ه. والمراد بالخصوص
في كلامه هنا الفرض وبالعموم النفل.
وأما قلب الجمعة ظهرا فقد جزم به الشافعية في حال خروج الوقت بناء أو
استئنافا، والمراد بالبناء ما بدأوا به من صلاة الجمعة أربع ركعات وبالاستئناف
قلب ما بدأوا به من فريضة الجمعة نفلا كما تقدم في المصلي المنفرد، واستئناف
صلاة الظهر بنيته بعد السلام منها. ومذهب الحنابلة أظهر بل هو الظاهر في
المسألة، وهو أن يتموها جمعة وإن خرج الوقت في أثنائها كسائر الصلوات. قال
صاحب الفروع منهم: فإن خرج (أي وقت الجمعة) صلوا ظهرا فإن كانوا فيها
أتموا جمعة، قال بعضهم نص عليه، وهو ظاهر المذهب وفاقا لمالك. وعنه قيل
ركعة لا. اختاره الخرقي والشيخ. ثم هل يتمونها ظهرا وفاقا للشافعي أو يستأنفونها
وفاقا لأبي حنيفة؟ فيه وجهان اه. وذكر مصحح الفروع أن الصحيح من
الوجهين أن يتمها ظهرا إن كان قد نوى الظهر وإلا استأنفها. فهذه مدارك
المجتهدين في المسألة، والمختار عندنا منها عدم صحة تحويل صلاة الجمعة إلى
الظهر وأمثاله، والله أعلم.
-----------------
<span class="footnote">
(*) نشر السؤال ثم الجواب في الأهرام.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">