المشتكى ثم إلى الله المشتكى.
الحرية أو الموت:
ولكن سوء حال المسلمين لا يسود ناصية تعاليم الإسلام الحق البيضاء
المصونة بين دفتي الكتاب الحكيم. وهي لا تبيح للمسلمين في حال من الأحوال أن
يعيشوا عبيدا وخولا للأجانب والمستبدين بل توجب عليهم أن يحيوا أحرارا، أو
يموتوا كراما، وليس بينهما سبيل.
وهذا الذي حملني قبل اليوم باثنتي عشرة سنة على أن أذكر المسلمين في
الهلال [2] بأن الجهاد في سبيل الحرية، وبيع الرءوس لإعلاء كلمة الحق هو إرثهم
الإسلامي القديم الذي ورثوه عن أجدادهم العظام، وأنه يجب أن يحافظوا عليها بكل
قوة، وأن دينهم يحتم عليهم أن يسبقوا جميع أبناء وطنهم في الجهاد الوطني، فلا
يكونوا فيه أذنابا؛ بل رءوسا وأعلاما يهتدى بهم. ولقد كان من فضل الله أن
دعوتي لم تذهب أدراج الرياح، بل لقيت القبول والإجابة منهم، وها نحن أولاء
نراهم اليوم قد شمروا عن ساعديهم وعزموا عزما شديدا على السعي والعمل مع
إخوانهم الوطنيين من الهندوس والنصارى والمجوس لتحرير وطنهم من ربقة
العبودية الأجنبية، ولا يقر لهم قرار إلا بعد نيل المرام.
مسألة الخلافة:
وإني لا أذكر ههنا مظالم الحكومة حيال الخلافة الإسلامية؛ لأنها أشهر من أن
تذكر، ولكن الذي أريد التصريح به هو أنه لم يمض علي يوم ولا ليلة في خلال
السنتين الماضيتين إلا وأعلنت تلكم المظالم على رءوس الأشهاد، وصرخت بأعلى
صوتي قائلا: (إن الدولة التي تدوس الخلافة الإسلامية تحت أقدامها ولا تندم على
ما اقترفته في الهند من الفظائع والمنكرات لا تستحق أن يخلص لها أحد من أبناء
هذه البلاد؛ لأنها بأعمالها قد أصبحت عدوا ألد للإسلام والمسلمين ولسكان هذا
القطر!) .
ولا تلومن الحكومة أحدا غير نفسها على سقوطها في هذا المأزق الذي يصعب
عليها الخروج منه؛ لأنني قد نبهتها سنة 1918 من معتقلي في كتاب مني إلى
(اللورد جيمس فورد) الوالي السابق فصلت لها فيه الأحكام الإسلامية التي تتعلق
بالخلافة وجزيرة العرب، وصارحتها بأن الدولة البريطانية إذا نقضت عهودها،
واستولت على الخلافة والبلاد الإسلامية توقع المسلمين في حالة حرجة جدا ولا
يبقى لهم إذ ذاك إلا أن يكونوا مع الإسلام أو مع البريطانية، ومعلوم أنهم يؤثرون
الإسلام عليها.
ولكنها لكبرها وعجرفتها لم تبال بما كتبت، فألقت كتابي ظهريا، ونكثت
أيمانها من بعد توكيدها، فاحتلت دار الخلافة الإسلامية واستولت على العراق
والشام وفلسطين، وبسطت نفوذها على جزيرة العرب، فعادت الإسلام والمسلمين
علنا، واضطرتهم إلى مقاطعتها ونبذ معونتها والتبري من طاعتها (وهو أقل ما
توحيه الشريعة في مثل هذه الحالة كما مر) ثم إنها بإصرارها على غيها وإعراضها
عنهم واستنكافها من الإنصات إليهم أيأستهم من نفسها، حتى أيقنوا أن لا سبيل إلى
الحياة ونيل حقوقهم المغصوبة إلا بإسقاط هذه الحكومة وإقامة حكومة وطنية بحتة،
وهي التي يسمونها في لغتهم (بالسوارج) .
أعدل هذا أم ظلم؟
والحاصل أن اعترافاتي في هذا الباب جلية وصريحة، فإني لا أعد الحكومة
الحاضرة إلا (بيوو كريسيا) غير شرعي وعدما محضا في عين الحق والقانون
ولرضا مئات (؟) الملايين من أبناء البلاد، فهم يمقتونها أشد المقت، ويطلبون
زوالها وسقوطها بأسرع ما يمكن؛ لأنهم ألفوها دائما تؤثر الرهبة والشدة في أعمالها
على العدل والحق، وتبيح سفك الدماء البريئة بدون رحمة ولا شفقة في (جليانوا
لاباغ) [3] وتجلد الصبيان الذين ما عرفوا الذنوب بعد لأن ينحنوا أمام العلم
البريطاني المثلث. ثم إنهم وجدوها لا ترتدع عن دوس الخلافة الإسلامية، ولا
تسمع الصيحات المتوالية التي تعلو من أفواه المسلمين وغيرهم، وتسلم أزمير
وتراقية إلى اليونان ظلما وجورا، وتسمح لهم بإراقة دماء المسلمين أنهارا في سهول
الأناضول.