الكرامات من أسهل الأمور وقلما ترى أحدا من المتعلمين المتدينين يصدق شيئا مما
يرويه هؤلاء العوام منها دع غير المتدينين الذين لا شبهة لأكثرهم على الدين إلا
جعلها من أركانه وأسس بنيانه.
ما هذه الكرامات؟ إنها ليست من عقائد الدين وإنما تذكر في كتب الكلام
بالتبع لبحث معجزات الرسل كما يذكر السحر وغيره مما عدوا من خوارق العادات.
وقد اختلف نظار العلماء في جوازها، واختلف المجوزون لها في وقوعها،
واختلف القائلون بوقوعها هل تقع في جميع خوارق العادات التي يؤيد الله تعالى
بمثلها الرسل أم لا تقع إلا في أمور محدودة؟ وهل تكون بقصد من الولي واختيار
أم بغيرهما؟ وهل تتكرر أم لا وكيف يكون المكرر من الخوارق.
جاء في المواقف وشرحه ما نصه: (المقصد التاسع) في كرامات الأولياء
وأنها جائزة عندنا خلافا لمن منع جواز الخوارق، واقعة خلافا للأستاذ أبي إسحاق
والحليمي منا، وغير أبي الحسين من المعتزلة اه. فهذان إمامان من أكبر أئمة
الأشعرية ينكران وقوع الكرامات، ولم يكن ذلك مطعنا في دينهما ولا مسقطا من
مكانتهما من أئمة أهل السنة، بل ظلا في الذروة، وكان أبو إسحاق الإسفرايني هذا
إمام الأئمة في عصره، ولا يزال يعبر عنه في كتب العقائد والأصول بالأستاذ،
فإذا أطلق لا ينصرف إلى سواه.
لا تتسع هذه الفتوى لتمحيص القول في مسألة الكرمات وقد كتبنا من قبل
مقالات كثيرة فيها خاصة، وألممنا ببعض مسائلها في مقالات أخرى نشرت في
مجلدات المنار المتفرقة. منها بضع مقالات بعنوان (الكرمات) في المجلد الثاني
لخصنا فيها ما أورده التاج السبكي في طبقات الشافعية من الخلاف فيها، وحجج
منكريها ومثبتيها، والمأثور منها، ومنها إحدى عشرة مقالة بهذا العنوان في المجلد
السادس ذكرنا فيها ما أورده السبكي من أنواعها، وتأويل ما ورد منها على تقدير
صحة الرواية فيه. ومنها مقالات أخرى بعنوان الخوارق والتصرف في الكون
والموالد وغير ذلك.
وفي هذه المقالات فوائد كثيرة من المنقول والمعقول تعطي المطلع عليها
بصيرة في الدين والدنيا، نشير إلى بعضها بالأرقام:
(1) إن ما ينقل إلينا من الوقائع المخالفة لسنن الله تعالى في الخلق
وفي سير الاجتماع البشري يجب أن لا يقبل فيجعل محلا للبحث فيه إلا إذا ثبت
ببرهان يقيني؛ لأنه جاء على خلاف الأصل من المعقول والمنقول، وأعني
بالمنقول ما ثبت في نص القرآن من أن سنن الله تعالى في نظام الخلق وشئون
الأمم لا تتبدل ولا تتحول.
(2) إن كثيرا مما يظهر بادي الرأي أنه من خوارق العادات لا يكون كذلك
في الواقع ونفس الأمر، بل منه شعوذة وتخييل، ومنه ما له أسباب خفية من
طبيعية وصناعية، كقوله تعالى في الحبال والعصي التي ألقاها سحرة فرعون:
﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ (طه: 66) وقد أثبت صاحب جامع التواريخ
أو (نشوار المحاضرة) عن معاصري الحلاج وكذا الحافظ ابن الجوزي أن كراماته
كلها كانت من قبيل الحيل وقد اكتشفوا حيله في عصره كالذي عرف الدار والبستان
الخفيين اللذين كان يحفظ فيهما السمك الحي والفاكهة والأطعمة فيأتي بها عند الحاجة
وأنذره الحلاج القتل إذا هو فضحه، وقد ذكرنا في مقالات المنار شواهد كثيرة
للحيل ولما في معناها من الخواص الكونية.
(3) إن روايات الكرامات مأثورة عن جميع الأمم الوثنية والكتابية، وإن
دعواها تكثر في العصور التي يضعف فيها العلم والدين ويكثر الكذب والدجل،
وتقل في عصر العلم وعهد التقوى، ولذلك ترى المروي عن الصحابة والتابعين
منها قليلا، وقد زعم بعض الناس أن سبب هذا: حاجة الناس في زمن الجهل
والفسق إلى ما يقوي إيمانهم، ولكننا نرى أنها لا تزيد الناس في هذا الحال إلا
فسقا وجهلا ودجلا وغرورا وضعفا في الدين والدنيا، وخضوعا للدجالين الذين
يعبثون بأموال الناس وأعراضهم، كما أشرنا إليه في أوائل الفتوى.