والأموات، بعد أن سرت إلينا منهم هذه الخرافات، دالت لهم الدولة علينا، وصاروا
أحسن منا صحة، وأشد قوة، وأعلى سيادة، وأرفه معيشة.
وأما الوحي فالله تعالى قد أمر خاتم رسله الذي أكمل دينه وأتمه على لسانه
وهديه أن يخاطب من آمن به بقوله عز وجل في {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله
ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك} (الأنعام: 50) فقد نفى أن تكون عنده
خزائن رزق الله يتصرف فيها، ويأتي ما اقترحوا عليه من الآيات لإثبات رسالته
من تفجير الينبوع في مكة وإيجاد جنة فيها يفجر الأنهار خلالها تفجيرا كما قال
الفخر الرازي، ونفى أن يكون يعلم الغيب، وأن يكون ملكا كما اقترحوا أو يقدر
على ما يقدر عليه الملك، ثم أمره أن يقول بعد ذلك ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ (الأنعام: 50) كما قال في الرد على ما اقترحوه عليه من الآيات التي أشرنا إليها:
﴿سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا﴾ (الإسراء: 93) أي فهو من حيث
إنه بشر لا يقدر على ما لا يقدر عليه البشر، ومن حيث إنه رسول ليس عنده إلا
ما يوحيه الله إليه فيبلغه ويبينه للناس. فأين هذا ممن يدعون أن السموات السبع في
رجل أحدهم كالخلخال إلخ.
وأمره أيضا أن يخاطب الناس بقوله تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا
ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن
أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} (الأعراف: 188) وبقوله: {قل إني لا أملك
لكم ضرا ولا رشدا} (الجن: 21) أي: ولا نفعا ولا غيا، ففي الآية احتباك.
أي: وإنما الذي يملك ذلك كله الله تعالى، ونفي الإغواء لا يقتضي جواز وقوعه منه
صلى الله عليه وسلم، فهو كنفي الظلم عن الرب تعالى بين به الحق الواقع فلا يقتضي
أنه مظنة الوقوع، والمراد هنا أن هداية الناس وضلالهم ونفعهم وضرهم كلها بيد الله
تعالى من حيث إنه هو الخالق المدبر الواضع للسنن والأسباب لكل من ذلك، فليس
وراء هذه الأسباب تصرف لغيره.
هذا نوع من أنواع دلالة الوحي على بطلان تلك الدعوى، أعني نفي علم الغيب
ونفي القدرة على التصرف في ملك الله وخزائن رزقه عن الرسل عليهم السلام.
ويتصل به نوع آخر وهو كون الآيات (المعجزات) التي يؤيدهم الله تعالى بها لا
تتعلق بها قدرتهم، وإنما هي لله وعند الله وبيد الله عز وجل، والآيات فيها معروفة،
وهناك نوع إيجابي أقوى من هذا ويجامع ما قبله وهو دلائل وحدانية الأفعال التي
فسرها الأشعرية بأنه لا فعل لغير الله، وأن الله تعالى يخلق المسببات عند الأسباب
لا بها، وهل يمكن أن يطلب المؤمن بهذه الوحدانية شيئا من الموتى وهم لم يصح
شرعا ولا علما أن الله جعلهم أسبابا؟
كرامات الأولياء:
علم مما مر أن فتنة الغلو في كرامات الأولياء قد هدمت من عقول الألوف
وألوف الألوف من الناس عقيدة تجريد التوحيد وهو أساس الدين الذي بني عليه
غيره منه، وأعلى علوم البشر ومعارفهم التي يتحقق بها تكريم الله تعالى لهم
بإعتاقهم من الذل والعبودية لغيره عز وجل، ونسخت من أذهانهم وقلوبهم الآيات
المحكمة في العقائد الإلهية ومعنى الرسالة ووظائف الرسل، ووضعت في مكانها ما
لا يحصى من الخرافات والأوهام التي أفسدت عليهم أمري الدين والدنيا، ويزعم
كثير من أنصار هذه الخرافات المعممين أن تشكيك العوام فيها يفضي إلى شكهم في
الرسالة وفي سائر أصول الدين، وقد جهلوا أن هذا الغلو فيها هو الذي أفسد عقائد
جماهير العوام وأعمالهم، ونفر جماهير الخواص الذين تلقوا العلوم العقلية والكونية
والاجتماعية من الإسلام نفسه، إذ حسبوا أنه مجموعة خرافات لا تليق إلا بأمثال
هؤلاء العوام.
ولو صح أن بعض هؤلاء لا يقنعه بأصل الإسلام إلا هذه الكرامات لكان ذلك
مفسدة أخرى يطلب من العلماء إزالتها وبناء العقيدة على البراهين العقلية والنقلية
القطعية؛ وهو الواجب الذي قرره جميع العلماء، وإلا فإن التشكيك في هذه