تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض إن عندكم من

سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون} (يونس: 68) نفى أن يكون عندهم

سلطان- أي برهان قطعي- على هذا القول ووبخهم أن قالوا على الله ما لا يعلمون

بعد أن بين البرهان على بطلان قولهم بأنه هو الغني الكامل غناه المطلق، وبأن ما

في السموات والأرض أي العالم كله ملك له، وهذا عين البرهان على بطلان اتخاذ

الناس يتصرفون في ملكه، ومن أصول المناظرة أن البينة على المدعي ويكفي

المنكر المنع، ولكن القرآن هداية لا جدل، ولذلك بين بطلان الدعوى في نفسها

بالدليل، وبين أنه لا دليل عليها، وأن مثلها لا يصح أن يقال بالظن والوهم، وإنما

يطلب فيه العلم القطعي، كما قال تعالى: {وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن

وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} (النجم: 28) .

ومن هذا الباب قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم

ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في

الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} (يونس: 18) فقولهم: (إنهم شفعاؤهم عند

الله) من القول على الله بغير علم، فإن العلم بالشفيع المعين للمشفوع له المعين

خاص به تعالى؛ إذ لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، وهو لا يأذن بأصل الشفاعة إلا

لمن ارتضاه شفيعا، ثم لا يأذن له بأن يشفع إلا لمن كان سبحانه راضيا عنه، كما

قال في شأن عباده المكرمين: {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما

بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} (الأنبياء: 27-28) .

والقسم الثاني من القول على الله بغير علم: خاص بالتشريع كابتداع عبادة لم

يشرعها الله تعالى ألبتة، أو شرع أصلها فجيء بها على غير الصفة التي شرعها

كأذكار أهل الطريق بألفاظ لم ترد في الشرع مع الرقص والغناء، وغير ذلك مما

فصله الشاطبي في كتابه الاعتصام وابن الحاج في المدخل وغيرهما من الأعلام -

وكتحريم ما لم يحرمه الله تعالى في وحيه. قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم

من الدين ما لم يأذن به الله} (الشورى: 21) وقال: {ولا تقولوا لما تصف

ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} (النحل: 116)

الآية.

فعلم من هذه الآيات وما في معناها أن القول على الله بغير علم أغلظ أنواع

الكفر وأشدها إفسادا لدين الناس ولعقولهم وفطرتهم، وأنه يسمى شركا ويتضمن ذلك

عد فاعله شريكا لله تعالى، ومن قبل تشريعا من غير الله فقد اتخذه ربا وشريكا،

وقد ورد في تفسير النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم

ورهبانهم أربابا من دون الله} (التوبة: 31) أن معناه أنهم كانوا يتبعونهم فيما

يحلون لهم ويحرمون عليهم. ومن شرع للناس عقيدة لم يشرعها ربهم لهم فهو أجدر

بانتحال الربوبية وجعل نفسه شريكا للرب تعالى ممن يشرع لهم تحريم شيء من

طعام أو شراب مثلا.

وهل عنى هذا من قال لخطيب الفتنة المضل: ليس لله شريك، ردا لقوله:

إن الله أعطى السيد البدوي حق التصرف في ملكه العزيز؟ أم عنى أن هذا

التصرف يقتضي أن يكون البدوي شريكا لله تعالى في تدبير أمر عباده؟ أيا ما عنى

فله وجه وجيه.

ذلك بأن الذين يقولون بهذا التصرف لا يعنون به أنه منتظم في سلسلة الأسباب

والمسببات العادية كتصرف البدوي في رعي ماشيته وسوقها حين يريح وحين

يسرح، وتصرف الفلاح في أرضه حين يعزق وحين يزرع، وإنما هو عندهم

بسلطة غيبية هي فوق الأسباب العادية والسنن الكونية المعروفة للبشر في الأعمال

التي يتناولها كسبهم، وهذه السلطة هي الخاصة بالخالق عز وجل، بمعنى أنه ليس

للناس فيها عمل ولا كسب، وهي التي تمتاز بها العبادات من العادات، فكل دعاء

أو تعظيم قولي أو عملي يوجهه الإنسان إلى من يؤمن بأن له سلطانا غيبيا هو فوق

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٣٠