تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفلسطيني - وهو في القدس - بلغه فيها خبر المعاهدة وأمره لرعيته أهل فلسطين

بالتزام الهدوء والسكينة، أي إلى أن تتسلم جلالته إدارة البلاد بالفعل، حتى إنه قال

له في البرقية: (وأنتم المسئولون عن كل ما يحدث) وظاهر هذا أنه يرى أن

حكومة فلسطين البريطانية الصهيونية تلغى بمجرد وصول برقيته.

لهذا بادرت هذه الحكومة إلى نشر بلاغ رسمي صرحت فيه بأن المعاهدة

الجديدة لا تتضمن أدنى تغيير في حكومة فلسطين، فهاج ذلك أهل فلسطين وبلغوا

الملك حسينا خبره فكذب بلاغ الحكومة الفلسطينية؛ إذ صرح بأنه مخالف لنص

المعاهدة الواردة من وزارة الخارجية البريطانية. فنشرت هذه الحكومة خلاصة

نص المعاهدة ومنها التصريح بأن فلسطين غير داخلة في البلاد التي اعترفت

الحكومة البريطانية باستقلالها؛ إذ سبق بيان ما تقرر بشأنها، وتضمن هذا بقاء

عهد بلفور وأنه لم يلغ ولم يعدل كما سيأتي.

لا يتوهمن أحد أننا سررنا بخطأ الملك حسين في فهمه وبخيبة أمله، والله إننا

نتمنى لو تستقل فلسطين استقلالا صحيحا ولو بسعيه لدخولها في حدود ملكه، فإن

لم يكن أهلا لإدارتها فما هو بخالد فيها، على أننا نعلم أنه لا يستطيع أن يستبد فيها

كما يستبد في مكة وجدة، وإنما نحن ندون أهم أحداث تاريخنا الحديث بما فيه

العبرة لأهل العصر ولمن بعدهم.

وأهم ما نذكر به من العبرة في هذه المسألة: التفكير في سبب خطأ الملك في

فهم الذي كان سببا لأقبح الخزي المحزن، ونحن نرى أن الذنب في هذا على

الدكتور ناجي الأصيل وفؤاد أفندي الخطيب وزير خارجية الملك الذي اشترك مع

الدكتور في ترجمة المعاهدة.

ذلك بأن صيغة المعاهدة قد وضعت باللغة الإنجليزية قطعا ومن دأب الملك

حسين عدم إطلاع أحد على شيء من أسرار سياسته إلا من يضطر إلى استخدامه

فيها، ولا نرى منجاة للدكتور ناجي الأصيل ولفؤاد أفندي الخطيب من تبعة غش

الملك في الترجمة إلا إذا كانت الترجمة صحيحة، وألقيت إلى الملك مكتوبة فلم

يفهمها ولم يجعلها هو والمترجمون لها موضع البحث، بل بلغ فلسطين ما بلغها قبل

أن يبحث مع وكيله ووزير خارجيته فيها، ولكن هذا بعيد وخلاف الظاهر- وإن

كان الملك لا يفهم اللغة العربية العصرية ولا القديمة فهما صحيحا بدليل أن كتابته

كثيرة الغلط والعسلطة فلا تفهم إلا بالقرائن- فإن ناجي الأصيل حضر إعلان

الاستقلال ووافق عليه ببيان منه بخطه، فإن قيل: إنه تعذر عليه أن يصحح خطأ

الملك عقب إلقاء خطابه فكيف لم يتنبه له بعد ذلك وتركه على غلطه حتى تجرأ

على تخطئة حكومة فلسطين الإنجليزية في فهمها للمعاهدة وعلى مخاطبته

للفلسطينيين بعد مراجعتهم إياه في المسألة بما يدل على أنه لا يزال على فهمه الأول،

وكذا رده على الجرائد المصرية فإنه يدل على ذلك أيضا.

وأما احتمال عدم فهم ناجي الأصيل للنص الإنجليزي الذي لم يوضع إلا بعد

طول البحث مع وزارتي الخارجية والمستعمرات الإنجليزيتين فيه - فغير معقول،

وقد جرى له حديث مع مكاتب الأهرام في الإسكندرية إثر وصوله إليها عائدا من

لندن يدل على أنه واقف على دقائق المعاهدة، وعلى أن المناقشة في مسألة فلسطين

معه كانت شديدة، وقد علم أن فؤاد الخطيب قد ساعده على ترجمة المعاهدة، فهل

يتفقان على الخطأ في جعل المنفي مثبتا.

على أن البلية في عدم فهمهما للمعاهدة حينئذ أعظم من البلية في غشهما للملك،

فما أعظم مصاب العرب فيمن يقيدونهم بمعاهدات لا يفهمون معناها مع دولة

يحتاج من يعقد معها أي معاهدة أو اتفاق أن يكون من أدق الناس فهما وأقدرهم على

تحديد المعاني بحيث لا تحتمل التأويل بضرب من ضروب الاشتراك أو المجاز أو

الكناية؛ لأن رجالها أبرع الناس في التفصي من المعاهدات بالتأويل كما قال

البرنس بسمارك.

وما طرقت باب هذا المبحث إلا لأنني قد عز علي أن أوافق من يظنون أن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٠٢