خدعة ينالون بها ما يريدون منه، وهو موافقته الرسمية على ما قرروه ونفذوه في
البلاد العربية، وقد سألني بعض هؤلاء الإخوان أن أكتب رأيي في ذلك وأنشره في
الجرائد لكشف الغش والتلبيس للأمة العربية فكنت أقول: أرى أن نصبر إلى أن
تظهر نتيجة هذه الأخدوعة الجديدة فنكون على بينة فيما نقول، ولا نرمي من
أعوان الخادعين باتباع الهوى أو الفضول، وإنني على سوء ظني المبني على
طول التجربة والاختبار أتمنى أن أكون مخطئا في هذه المرة، وإذا أكون في طليعة
أنصار ما يأتي من كل مشروع أو عمل لاستقلال العرب واتحادهم.
صبرت إلى أن انكشف الستر، وظهر ما بولغ في إخفاءه من الأمر، وتركت
السبق لغيري في إنكار ذلك فكان أول المنكرين له من كانوا أول المحسنين للظن
بالملك حسين والأمير عبد الله وهم أهل فلسطين. ولما زالت ثقتهم بالثاني ظلوا
واثقين بالأول، حتى كانوا يكابرون أنفسهم، ويكذبون الأخبار الرسمية البريطانية
الجلية، اغترارا ببرقيات الحجاز المبهمة الموهمة.
ألم تر أن ناجي الأصيل عاد من لندن إلى مصر فسبقه إليها كل من الشيخ عبد
القادر المظفر وأمين بك التميمي من دعاة ملك الحجاز في فلسطين فاستقبلاه في
الإسكندرية فاستنطقاه ليسبقا بالبشائر إلى قومهما فلم يفهما منه شيئا جليا، ألم تر أنه
سافر إلى الحجاز في بارجة بريطانية فسابقه إليها الشيخ عبد القادر المظفر ثم سبقه
بالعودة إلى مصر مبشرا بتأويل حلم الاتحاد العربي، وبأن عهد بلفور قد ألغي،
أخبرني بذلك فلم أصدق، ولكنني قلت له: إنني أصبر فإن صح هذا كنت أول
مؤيد له ومنوه به، وإن كوفئت على ذلك بالإيذاء وإعراض هؤلاء الزعماء، وقد
استنبط الشيخ بشائره من فرح الملك بهذه المعاهدة واحتفاله بالدكتور ناجي الأصيل
كاحتفال الأمم بالقواد الفاتحين، ولم يطلعه أحد على شيء من مواد المعاهدة كدأب
الملك حسين في الكتمان وعدم استشارة أحد في شيء من أمور الأمة، ولكنه روى
لنا عن فؤاد الخطيب وكيل الخارجية عن الملك الجزم بإلغاء وعد بلفور، فجزمت
بعدم صحة متن هذه الرواية جزما لا تردد فيه وتركت الكلام في سندها، ثم أيدت
الحوادث كذب المتن بما لا يعد طعنا في سنده، إذ علم أن الملك فهم ذلك من
المعاهدة وهي نص في ضده، كما ثبت في النصوص الرسمية الآتية. بناء على هذا
الفهم الملكي أعلن المعاهدة بمكة يوم عيد الفطر باحتفال رسمي حافل، وتضمن
الإعلان الملكي الأمر بجعل هذا اليوم عيدا. وهاك نص الإعلان منقولا عن العدد
688 من جريدة القبلة الرسمية المؤرخ في 5 شوال الحال بعد ذكر الاحتفال بعيد
الفطر:
عيد على عيد
إعلان استقلال العرب ووحدتهم في جميع الجزيرة العربية
ولما استقر بجلالة المنقذ المقام في بهو الاستقبال العام مثل بين يدي جلالته
الأشراف والسادة العلماء والأعيان والوجهاء وأماثل الأمة على اختلاف طبقاتها
حاضرها وباديها، وحينذاك تفضل جلالته ففاه بخطاب ملوكي سام، حمد الله فيه
وأثنى عليه ثم أشار إلى أن هذا العيد المبارك لا شك في تضاعف يمنه حيث صادف
قبول المراجع الإيجابية [1] لجميع المطالب العربية فلا ريب في أنه يوم اجتمع فيه
عيدان: عيد الفطر السعيد، وعيد الاعتراف باستقلال العرب ووحدتهم، وعليه
فجلالته يعلن ذلك للأمة العربية حاضرها وباديها.
وعلى إثر ذلك أمر جلالته صاحب الإقبال رئيس الديوان العالي أن يلقي في ذلك
المحفل الجليل الخطاب الملوكي الهاشمي الآتي، وهذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
(نصرح في هذا العيد المبارك بمآل المعاهدة العربية البريطانية المؤسسة
على مقرراتنا السياسية والتي يعترف بها صاحب الجلالة البريطانية لنا باستقلال
العرب بجزيرتهم وسائر بلادهم، ويتعهد لنا حشمته الملوكية بالمعاضدة الفعلية
لتأسيس الوحدة العامة الشاملة لكل هذه البلاد بما فيها العراق وفلسطين وشرق الأردن