يراد به الحق، ولذلك بينه بأنه يغضب للعصبة، وهي بالتحريك: قوم الرجل
الذين يعصبونه ويعتصب بهم، أي يقوى ويشتد، وفي رواية (العصبية) وهي نسبة إلى العصبة.
وأنت تعلم أن المتغلبين ما قاموا ولا يقومون إلا بالعصبية، المراد بها عظمة
الملك العمية، لا يقصدون بقتالهم إعلاء كلمة الله، ولا إقامة ميزان الحق والعدل
بين جميع الناس، وما أفسد على هذه الأمة أمرها، وأضاع عليها ملكها إلا جعل
طاعة هؤلاء الجبارين الباغين واجبة شرعا على الإطلاق، وجعل التغلب أمرا
شرعيا كمبايعة أهل الاختيار من أولي الأمر وأهل الحل والعقد للإمام الحق،
وجعل عهد كل متغلب باغ إلى ولده أو غيره من عصبته لأجل حصر السلطان
والجبروت في أسرته - حقا شرعيا وأصلا مرعيا لذاته، وعدم التفرقة بين
استخلاف معاوية لولده يزيد الفاسق الفاجر بالرغم من أنوف المسلمين، وبين عهد
الصديق الأكبر للإمام العادل عمر بن الخطاب ذي المناقب العظيمة بعد مشاورة أهل
الحل والعقد فيه وإقناعهم به، والعلم بتلقيهم له بالقبول.
***
14- كيف سن التغلب على الخلافة:
كان سبب تغلب بني أمية على أهل الحل والعقد من الأمة أن قوة الأمة
الإسلامية الكبرى في عهدهم كانت تفرقت في الأقطار التي فتحها المسلمون وانتشر
فيها الإسلام بسرعة غريبة وهي مصر وسورية والعراق، وكان أهل هذه البلاد
قد تربوا بمرور الأجيال على الخضوع لحكامهم المستعمرين من الروم والفرس،
فلما صارت أزمة أمورهم بيد حكامهم من العرب استخدمهم معاوية الذي سن سنة
التغلب السيئة في الإسلام على الخضوع له بجعل الولاة فيهم من صنائعه الذين
يؤثرون المال والجاه على هداية الإسلام وإقامة ما جاء به من العدل والمساواة،
وصار أكثر أهل الحل والعقد الحائزين للشروط الشرعية محصورين في البلدين
المكرمين (مكة المكرمة والمدينة المنورة) وهم ضعفاء بالنسبة إلى أهل تلك
الأقطار الكبيرة الغنية التي تعول الحجاز وتغذيه.
أخذ معاوية البيعة لابنه الفاسق يزيد بالقوة والرشوة، ولم يلق مقاومة تذكر
بالقول أو الفعل إلا في الحجاز، فقد روى البخاري والنسائي وابن أبي حاتم في
تفسيره - واللفظ له - من طرق أن مروان خطب بالمدينة وهو على الحجاز من قبل
معاوية فقال: إن الله قد أرى أمير المؤمنين في ولده يزيد رأيا حسنا، وإن يستخلفه فقد
استخلف أبو بكر وعمر وفي لفظ: سنة أبي بكر وعمر - فقال عبد الرحمن بن أبي
بكر: سنة هرقل وقيصر! إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده إلخ. وفي
رواية: سنة كسرى وقيصر، إن أبا بكر وعمر لم يجعلاها في أولادهما. ثم حج
معاوية ليوطئ لبيعة يزيد في الحجاز، فكلم كبار أهل الحل والعقد أبناء أبي بكر وعمر
والزبير فخالفوه وهددوه إن لم يردها شورى في المسلمين، ولكنه صعد المنبر وزعم
أنهم سمعوا وأطاعوا وبايعوا يزيد، وهدد من يكذبه منهم بالقتل.
وأخرج الطبراني من طريق محمد بن سعيد بن زمانة أن معاوية لما حضره
الموت قال ليزيد: قد وطأت لك البلاد ومهدت لك الناس ولست أخاف عليك إلا
أهل الحجاز، فإن رابك منهم ريب فوجه إليهم مسلم بن عقبة فإني قد جربته وعرفت
نصيحته. قال: فلما كان من خلافهم عليه ما كان، دعاه فوجهه فأباحها ثلاثا، دعاهم
إلى بيعة يزيد وأنهم أعبد له وقن في طاعة الله ومعصيته.
وأخرج أبو بكر بن خيثمة بسند صحيح إلى جويرية بن أسماء: سمعت أشياخ
في المدينة يتحدثون أن معاوية لما احتضر دعا يزيد فقال له: إن لك من أهل
المدينة يوما فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة، فإني عرفت نصيحته إلخ. ذكره
الحافظ في الفتح. أباح عدو الله مدينة الرسول ثلاثة أيام فاستحق هو وجنده اللعنة
العامة في قوله صلى الله عليه وسلم عند تحريمها كمكة (من أحدث فيها حدثا أو آوى
محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا