ذلك إذا كان قادرا، والله أعلم.
ونقل ابن التين عن الداودي قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إذا قدر
على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب , وإلا فالواجب الصبر. وعن بعضهم: لا يجوز
عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدث جورا بعد أن كان عدلا فاختلفوا في جواز
الخروج عليه، والصحيح: المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه. اه.
وقد تقدم التحقيق في المسألة ونصوص المحققين فيها، وملخصه أن أهل
الحل والعقد يجب عليهم مقاومة الظلم والجور والإنكار على أهله بالفعل، وإزالة
سلطانهم الجائر، ولو بالقتال إذا ثبت عندهم أن المصلحة في ذلك هي الراجحة
والمفسدة هي المرجوحة، ومنه إزالة شكل السلطة الشخصية الاستبدادية، كإزالة
الترك لسلطة آل عثمان منهم، فقد كانوا على ادعائهم الخلافة الإسلامية جائرين
جارين في أكثر أحكامهم على ما يسمى في عرف أهل هذا العصر بالملكية المطلقة،
فلذلك بدأ الترك بتقييدهم بالقانون الأساسي تقليدا لأمم أوروبا، وسبب ذلك جهل
الذين قاموا بهذا الأمر بأحكام الشرع الإسلامي (كمدحت باشا وإخوانه) ثم قام
الكماليون أخيرا بإسقاط هذه الدولة، ورفض السلطة الشخصية بجملتها وتفصيلها.
***
13- دار العدل ودار الجور والتغلب:
دار الإسلام وما يقابلها من دار الحرب معروفان، ولهما أحكام كثيرة. وقد
تكرر فيما نقلناه عن العلماء من أحكام الخلافة ذكر دار العدل، وهي دار الإسلام
التي نصب فيها الإمام الحق، الذي يقيم ميزان العدل، تسمى بذلك إذا قوبلت بدار
البغي والجور، وهي ما كان الحكم فيها بتغلب قوة أهل العصبية من المسلمين،
وعدم مراعاة أحكام الإمامة الشرعية وشروطها، وأهل دار العدل هم الذين يسمون
الجماعة، وهم الذين يجب على جميع المسلمين اتباعهم واتباع إمامهم اختيارا،
وعدم اتباع من يخالفهم إلا اضطرارا، وهذان الداران قد توجدان معا في وقت واحد،
وقد توجد إحداهما دون الأخرى، ولكل منهما أحكام.
أما دار العدل فطاعة الإمام فيها في المعروف واجبة شرعا ظاهرا وباطنا،
ولا تجوز مخالفته إلا إذا أمر بمعصية لله تعالى ثابتة بنص صريح من الكتاب
والسنة دون الاجتهاد والتقليد، ويجب قتال من خرج عليه من المسلمين أو بغى في
بلاده الفساد بالقوة، كغيره من القتال الواجب شرعا، وتجب الهجرة من دار الحرب
ومن دار البغي إلى هذه الدار على من استضعف فيهما فظلم أو منع من إقامة دينه،
وعلى من تحتاج إليهم دار العدل لحفظها ومنعها من الكفار أو البغاة، ولغير ذلك من
المصالح الواجبة لإعزاز الملة، إذا توقف هذا الواجب على هذه الهجرة. وأما دار
البغي والجور فالطاعة فيها ليست قربة واجبة شرعا لذاتها، بل هي ضرورة تقدر
بقدرها، وتقدم تفصيل القول فيها.
ومن الظلم الموجب للهجرة منها على من قدر إلى دار العدل - إن وجدت -
حمل المتغلبين من يخضع لهم على القتال لتأييد عصبيتهم والاستيلاء على بعض بلاد
المسلمين، فمن قدر على التفصي من ذلك وجب عليه، فأمرها دائما دائر على قاعدة
ارتكاب أخف الضررين، والظاهر أن يفرق بين قتالهم لأهل العدل فلا تباح الطاعة
فيه بحال، وبين قتال غيرهم كأمثالهم من المتغلبين، وفيه تفصيل لا محل لبيانه هنا.
وأما الجهاد الشرعي فيجب مع أئمة الجور؛ ومنه دفاعهم عن بلادهم إذا اعتدى عليها
الكفار.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة
فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى
عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها
وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست
منه. وفي رواية: يغضب للعصبة ويقاتل للعصبة فليس من أمتي) رواه مسلم
والنسائي من حديث أبي هريرة. والعمية بضم العين وكسرها (لغتان) وتشديد الميم
وفسروها بالكبر والضلال، والمراد بها عظمة القوة والبطش، والتغلب الذي لا