رضي بذلك حملة القرآن وأهل العلم، والأرامل والأيتام، أم هل رضي بذلك خلق
من رعيتك؟ فشد يا هارون مئزرك، وأعد للمسألة جوابا، وللبلاء جلبابا، واعلم
أنك ستقف بين يدي الحكم العدل، فقد رزئت في نفسك إذ سلبت حلاوة العلم والزهد
ولذيذ القرآن ومجالسة الأخيار، ورضيت لنفسك أن تكون ظالما، وللظالمين إماما،
يا هارون قعدت على السرير، ولبست الحرير، وأسبلت سترا دون بابك،
وتشبهت بالحجبة برب العالمين، ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك وسترك
يظلمون الناس ولا ينصفون.
أفلا كانت هذه الأحكام عليك وعليهم قبل أن تحكم بها على الناس، فكيف بك
يا هارون غدا إذا نادى المنادي من قبل الله تعالى: {احشروا الذين ظلموا
وأزواجهم} (الصافات: 22) أين الظلمة وأعوان الظلمة؟ فقدمت بين يدي الله
تعالى ويداك مغلولتان إلى عنقك لا يفكها إلا عدلك وإنصافك، والظالمون حولك
وأنت لهم سابق وإمام إلى النار. كأني بك يا هارون وقد أخذت بضيق الخناق،
ووردت المساق، وأنت ترى حسناتك في ميزان غيرك، وسيئات غيرك في
ميزانك زيادة عن سيئاتك، بلاء على بلاء، وظلمة فوق ظلمة، فاحتفظ بوصيتي،
واتعظ بموعظتي التي وعظتك بها، واعلم أني قد نصحتك وما أبقيت لك في النصح
غاية، والسلام) .
فلما وصل هذا الكتاب إلى هارون أقبل يقرأه ودموعه تنحدر من عينيه،
ويقرأ ويشهق. ثم لم يزل كتاب سفيان إلى جنب هارون يقرأه عند كل صلاة حتى
توفي. انتهى ملخصا.
ولم يكن العلماء والأئمة هم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
وحدهم، بل كان يوجد إذ ذاك من دهماء المسلمين وعامتهم من يؤدي هذه الفريضة
بكل شجاعة ورباطة جأش.
فبينما كان الخليفة المنصور العباسي يطوف بالبيت إذ سمع رجلا عند الملتزم
يقول: (اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق
وأهله من الظلم والطمع) فدعاه المنصور وقال: ما هذا الذي سمعتك تقوله من ظهور
البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع والظلم؟ فقال
الرجل: (الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين الحق وإصلاح ما ظهر من البغي
والفساد في الأرض: أنت) قال المنصور: ويحك! كيف يدخلني الطمع والصفراء
والبيضاء في يدي، والحلو والحامض في قبضتي؟ قال: وهل دخل أحدا من الطمع
ما دخلك؟ إن الله استرعاك أمور المسلمين وأموالهم، فأغفلت أمورهم واهتممت بجمع
أموالهم، وجعلت بينك وبينهم حجابا من الجص والآجر، وأبوابا من الحديد، وحجبة
معهم السلاح، ثم سجنت نفسك فيها منهم، وبعثت عمالك في جمع الأموال وجبايتها،
واتخذت وزراء وأعوانا ظلمة، إن نسيت لم يذكروك، وإن ذكرت لم يعينوك،
وقويتهم على ظلم الناس بالأموال والكراع والسلاح، وأمرت بأن لا يدخل عليك من
الناس إلا فلان وفلان نفر سميتهم فائتمروا على أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس
شيء إلا ما أرادوا، فامتلأت بلاد الله بالطمع بغيا وفسادا، وصار هؤلاء القوم
شركاءك في سلطانك وأنت غافل ... إلى آخره. فبكى المنصور بكاء شديدا حتى
نحب وارتفع صوته.
ومن ذا الذي لم يسمع بظلم داهية بني أمية الحجاج بن يوسف الثقفي وغلظته
وسفكه للدماء؟ ولكنه مع جبروته وغطرسته لم يستطع صد المسلمين عن إعلان
الحق، فلقد جيء إليه يوما بحطيط الزيات أسيرا، فلما دخل عليه قال: أنت
حطيط؟ قال: نعم سل ما بدا لك، فإني عاهدت الله عند المقام على ثلاث خصال:
إن سئلت لأصدقن، وإن ابتليت لأصبرن، وإن عوفيت لأشكرن. قال: فما تقول
في؟ قال: أقول: إنك من أعداء الله في الأرض، تنتهك المحارم وتقتل بالظنة،
قال: فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان؟ قال: أقول: إنه أعظم
جرما منك وإنما أنت خطيئة من خطاياه.
ودخل رجل من المسلمين على المأمون بن الرشيد وقال له على ملأ من رجاله:
يا ظالم، أنا ظالم إن لم أقل لك يا ظالم. فأقبل عليه المأمون وقال: من أنت؟