تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تأخذه من حله، فتضعه في حقه. فقال سليمان: ومن يقدر على ذلك؟ فقال من

يطلب الجنة ويخاف من النار، فقال سليمان: ادع لي، فقال أبو حازم: اللهم إن كان

سليمان وليك فيسره لخير الدنيا والآخرة، وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب

وترضى! فقال سليمان: أوصني، فقال: أوصيك وأوجز، عظم ربك ونزهه أن

يراك حيث نهاك، أو يفقدك من حيث أمرك!)

وكان سعيد بن المسيب التابعي الكبير يقول على رءوس الأشهاد في ولاة زمنه:

يجيعون الناس، ويشبعون الكلاب!

وقد ظل علماء الإسلام على هذه الديدنة بعد عهد بني أمية، غير هيابين ولا

وجلين في عهد العباسية، فهذا المنصور الخليفة العباسي القهار لما قال لسفيان

الثوري: (ارفع إلينا حاجتك) رد عليه قائلا: (اتق الله! فقد ملأت الأرض ظلما

وجورا!) .

ولما استقر على منصة الخلافة هارون الرشيد الخليفة العباسي الشهير، كتب

إلى سفيان الثوري كتابا بيده يقول فيه:

(من عبد الله هارون الرشيد أمير المؤمنين، إلى أخيه سفيان بن سعيد بن

المنذر، أما بعد يا أخي! قد علمت أن الله تبارك وتعالى آخى بين المؤمنين وجعل

ذلك فيه وله، واعلم أني قد واخيتك مواخاة لم أصرم بها حبلك، ولم أقطع منها

ودك، وإني منطو لك على أفضل المحبة، واعلم يا أبا عبد الله أنه ما بقي من

إخواني وإخوانك أحد إلا وقد زارني وهنأني بما صرت إليه، وقد فتحت بيوت

الأموال وأعطيتهم من الجوائز السنية ما فرحت به نفسي، وقرت به عيني، وإني

استبطأتك فلم تأتني، وقد كتبت إليك كتابا شوقا مني إليك شديدا، وقد علمت يا أبا

عبد الله ما جاء في فضل المؤمن وزيارته ومواصلته، فإذا ورد إليك كتابي فالعجل

العجل) .

وهل يعلم اللورد (ريدنغ) من كان هذا الرشيد الذي يكتب إلى عالم من علماء

المسلمين بهذه اللهجة اللينة؟ إنه قد كان يحكم ربع الكرة الأرضية ويخاطب قيصر

الروم في كتاب منه إليه ب (يا ابن الكلب) كما صرح به المؤرخ جبن الإنجليزيثم

هل علم بما رد عليه ذلك العالم؟ إن لم يعلم فليسمع مني جوابه ثم يتدبر فيه، فإنه

يجلي له ما خفي عليه من حقيقة الإسلام، وجرأة المسلمين في إعلان الحق، ويبين له

أن ما تطلبه حكومته منا لا ينال، وأن المسلم لا يمتنع من الأمر بالمعروف والنهي عن

المنكر، ولو فجع في النفس والمال.

قد كان من حديث سفيان أنه لما أتاه الرسول بكتاب الخليفة، كان في مسجد

الكوفة وحوله أصحابه، فرمى إليه الرسول الكتاب، فلما رآه ارتعد وتباعد عنه،

كأنه حية عرضت له، ثم أدخل يده في كمه ولفها بعباءته وأخذ الكتاب فقلبه بيده ثم

رماه إلى من كان عنده، وقال يأخذه بعضكم يقرءه، فإني أستغفر الله أن أمس شيئا

مسه ظالم بيده، فلما فرغ من قراءته، قال: (اقلبوه واكتبوا إلى الظالم في ظهر

كتابه) فقيل له: يا أبا عبد الله إنه خليفة، فلو كتبت إليه في قرطاس نقي! فقال:

اكتبوا إلى الظالم في ظهر كتابه، فإن اكتسبه من حلال فسوف يجزى به، وإن كان

اكتسبه من حرام فسوف يصلى به، ولا يبقى شيء مسه ظالم عندنا، فيفسد علينا

ديننا، ثم قال اكتبوا:

(من العبد المذنب سفيان بن سعيد بن المنذر الثوري، إلى العبد المغرور

بالآمال هارون الرشيد، الذي سلب حلاوة الإيمان: أما بعد. فإني قد كتبت إليك

أعرفك أن قد صرمت حبلك، وقطعت ودك، وقليت موضعك، فإنك قد جعلتني

شاهدا عليك بإقرارك على نفسك في كتابك بما هجمت به على بيت مال المسلمين

فأنفقته في غير حقه، وأنفذته في غير حكمه، ثم لم ترض بما فعلته وأنت ناء عني،

حتى كتبت إلي تشهدني على نفسك! أما إني قد شهدت عليك أنا وإخواني الذين

شهدوا قراءة كتابك، وسنؤدي الشهادة عليك غدا بين يدي الله تعالى- يا هارون

هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم، هل رضي بفعلك المؤلفة قلوبهم،

والعاملون عليها في أرض الله تعالى، والمجاهدون في سبيل الله، وابن السبيل، أم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٧٨