تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(فإن عادوا كرة ثانية، كانت هي القاضية) .

ما نقترحه على الترك في مسألة الخلافة

هذا وإن الله تعالى قد وفق هذه القوة العسكرية الهادمة، بما كان من تلك

السياسة الجاهلة الظالمة، إلى إنقاذ جل البلاد التركية من براثن الدول الأوربية، بعد

أن نشبت فيها، وكاد يتم بأس العالم كله منها، وألفوا حكومة جمهورية تركية،

قررت ما قررت في مسألة الخلافة الإسلامية، فالذي نراه بعد طول الروية

والنظر في المسألة من الوجهتين السياستين - الإسلامية والاجتماعية - أن ما قرروه

بادئ الرأي يجب أن يكون تدبيرا مؤقتا، لا أمرا مبرما مؤبدا، وأن تترك السلطة

العسكرية أمر الحكومة بعد الصلح إلى مجلس منتخب من الشعب، ينتخبه بحرية

حقيقية، لا سيطرة عليها للحكومة ولا للجندية، وأن يترك أمر الخلافة إلى الشعوب

الإسلامية كلها، والحكومات المستقلة وشبه المستقلة منها، وأن يؤلف له لجنة أو

جمعية مختلطة حرة مركزها الآستانة، تدرس كل ما يكتبه وما يقترحه أهل العلم

والرأي في المسألة، ويكون ذلك تمهيدا لعقد مؤتمر إسلامي يعقد بعد الصلح بسنة أو

أكثر من سنة.

ونرى أن تؤلف الحكومة التركية العليا لجنة أخرى للبحث فيما يجب أن تكون

عليه علاقتها مع الأمة العربية، ومع غيرها من الشعوب الإسلامية، وما يمكن أن

تفيدها وتستفيد منها بمكانتها العسكرية والمدنية والدينية، وأن يكون أعضاء

اللجنتين أو بعض أعضائها من أركان مؤتمر الخلافة هم الذين يضعون برنامجه

ويقررون نظامه، بعد تمحيص ما يجمعونه من الآراء والمعلومات في كل ما يتعلق

بالمسألة.

وقد تناقلت الجرائد أن حكومة أنقرة ستشاور العالم الإسلامي في الخلافة،

ولكن الشورى الصحيحة النافعة لا تتم إلا بالنظام وحسن الاختيار من الأفراد

والأقوام، فعسى أن يختار لكل لجنة أهلها من أولي النهى، وأن توفق كل منها

لتحقيق الحق في عملها، وأن ينتهي ذلك باقتناع أهل الحل والعقد من الترك، ببذل

نفوذهم لإقامة الإمامة الحق لإصلاح ما أفسدت جهالة المسلمين ومادية الأوربيين في

الأرض، فقد استدار الزمان واشتدت حاجة البشر إلى إصلاح القرآن، وضعفت

معارضة المقلدة الجامدين، وظهر ضرر عصبية الأمويين والعباسيين والعثمانيين،

وضلال الإفرنج والمتفرنجين، فطوبى للمجددين المصلحين، وويل للمقلدين

المغرورين، والعاقبة للمتقين ﴿إن هذا لهو حق اليقين﴾ (الواقعة: 95)

﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ (ص: 88) .

-----------------

<span class="footnote">

(1) إشارة إلى ما نقل متى في إنجيله عن المسيح (18: 18 الحق أقول لكم: كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا في السماء وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولا في السماء) .

(2) أي توسيطه لذاته وأما توسيطهم في التعليم والإرشاد فقد أثبته أولا وآخرا.

(3) المنار: من شواهد ذلك ارتفاع قدر العلماء على الخلفاء الذين قصروا عنهم في الفهم والعلم، ألم يأتك نبأ الإمام مالك مع الخليفة هارون الرشيد - رحمهما الله - وكيف أنزل الإمام الخليفة عن المنصة وأقعده مع العامة عند إلقاء الدرس لأنه في رتبة المستفيد.

(4) من شواهد ذلك قول الخليفة الأول رضي الله عنه في خطبته (وإن زغت فقوموني) راجع ص 734 من مجلد المنار الرابع.

(5) حديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما (راجع 32) من مجلد المنار الرابع.

(6) مثال ذلك أن يكون له عصبية أقوى من الأمة يخشى أن يبيدها بها و (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) .

(7) هي مجلة مصرية رد عليها الأستاذ في هذه المسألة.

(*) كانت هذه المقالة أول ما كتبناه في مسألة الخلافة، ثم لما بدا لنا أن نقدم عليها بيان أحكامها الشرعية، وتلا ذلك البحث في وسائل إقامتها وموانعها - طال القول حتى نسينا هذه المقالة، ثم رجعنا إليها فرأينا أن نجعلها خاتمة للترغيب، على أن بعض مباحثها قد تكررت في المباحث التي سبقت.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٧٣