تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(ومنها) تربية النابتة الحديثة في المدارس وفي الجيش على العصبية

الجنسية، وإحلال خيالها محل الوجدان الديني بجعلها هي المثل الأعلى للأمة،

والفخر برجالها المعروفين في التاريخ وإن كانوا من المفسدين المخربين، بدلا من

الفخر برجال الإسلام من الخلفاء الراشدين، وغيرهم من السلف الصالحين، ولهم

في ذلك أشعار وأناشيد كثيرة يتغنى بها التلاميذ والجنود وغيرهم.

(ومنها) التدرج في محو كل ما هو إسلامي في أعمال الحكومة، وإضعاف

سلطة المشيخة الإسلامية، حتى إنهم سلبوا منها الرياسة على المحاكم الشرعية،

ووضعوا قانونا للأحكام الشخصية.

(ومنها) إضعاف التعليم الديني حتى إنهم حددوا عدد من يتخرج في

المدارس الدينية فجعلوه قليلا لا يكفي للمحافظة على الدين والشرع.

(ومنها) جعل الخلافة والسلطنة مظهرا مؤقتا لا أمر لصاحبه ولا نهي،

ولكن يستفاد من اسمه في تنفيذ ما لا يقبله الجمهور من غيره، حتى شاع أنهم كانوا

يصدرون الإرادات السنية بإمضاء السلطان محمد رشاد وهو لا يدري.

(ومنها) إفساد الآداب والأخلاق والآداب الإسلامية بالعمل، فأباحوا للنساء

التركيات هتك الحجاب والتبرج والتهتك، بل أباحوا لهن البغاء وكانت إباحته قاصرة

من قبل على غير المسلمات. وقد حدثني الأمير شكيب أرسلان في (جنيف

سويسرة) عن طلعت باشا الصدر الأعظم أن عاهل الألمان لما زار الآستانة في

أثناء الحرب ورأى النساء التركيات سافرات متبرجات عذله على ذلك وذكر له ما

فيه من المفاسد الأدبية والمضار الاقتصادية التي تئن منها أوربة وتعجز عن تلافيها.

وقال له: إن لكم وقاية من ذلك كله بالدين أفتزيلونها بأيديكم!

منتهى سلطة الخليفة وشيخ الإسلام

لم يكن منصب الخلافة الذي يتحلى بلقبه السلطان مانعا للاتحاديين من عمل

من الأعمال التي تهدم الدين وتمحو أثره من الدولة ثم من الأمة؛ لأن الخلافة لم

تكن إلا لقبا رسميا له بعض من التأثير في خارج الدولة كاحترام الدول له وتعلق

مسلمي رعاياها ومن تحت نفوذها منهم به، وأما داخل الدولة - بل الدولة نفسها - فلم

يكن للخليفة فيها ديوان خاص ذو نظام وتقاليد يستعين به الخليفة على شيء من

أعمال الحكومة في إقامة الشرع والمحافظة على الدين، والنظر في مصالح

المسلمين. لم يكن في (المابين الهمايوني) مستوى الخليفة السلطان شيء من هذا.

وإنما كان يوجد في الوزارة عضو يسمى شيخ الإسلام، وله دار تسمى (باب

المشيخة الإسلامية) هي مقر رجال الفتوى وإدارة المحاكم الشرعية وإدارة التعليم

الديني. ولكن المشيخة الإسلامية بلغت من الضعف أن صارت عاجزة عن حفظ هذه

المصالح الخاصة بها، فلم يقدر شيخ الإسلام أن يمنع الحكومة الاتحادية من سلب

المحاكم الشرعية منه وجعلها تابعة للعدلية (الحقانية) ولا من التضييق على التعليم

الديني، فهل يقدر على منعها من إباحة الزنا للمسلمات، أو غيرها من تلك الموبقات،

وأهم أسباب هذا الضعف أن المشيخة لم تكن إلا مصلحة رسمية لم تعن في يوم من

الأيام بشيء من خدمة الدين الروحية التي تجعل لها سلطة معنوية في الشعب الإسلامي

في داخل المملكة ولا خارجها ليكون لها من قوته الدينية ما تهابه الحكومة وتخشاه،

وتؤيد به نفوذها ونفوذ الخليفة الذي ترك الأمور الدينية والمصالح الإسلامية لها.

ضعف ما عدا العسكرية في الدولة

الحق أقول: إن الدولة العثمانية والشعوب الإسلامية، قد برحت بها الأدواء

الاجتماعية والدسائس والتعاليم الأجنبية، حتى أفقدتها جميع قواها المادية

والمعنوية، فلم يبق فيها إلا القوة الحربية، المتمتعة بشيء من النظام والسلاح

العصري في هذه الدولة، فلا يستطيع أحد أن يحدث فيها انقلابا ما إلا بقوة الجيش.

عرف ذلك الاتحاديون فعملوا به ما عملوا، وأساءوا به حتى قضوا على هذه

السلطنة (الإمبراطورية) وصدق قولنا فيهم عند سلب حزب الائتلاف السلطة منهم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٧٢