تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتفتك ولا ترى نجدة في نفوس إخوانهم المشرفين على مجاري مائهم، بل

السامعين لخريرها من حلاقيمهم الذين احمرت أحداقهم من مشاهدها بين أيديهم

وتحت أرجلهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم.

تمسك المسلمين بتلك العقائد وإحساسهم بداعية الحق في نفوسهم مع هذه الحالة

التي هم عليها مما يقضي بالعجب، ويدعو إلى الحيرة ويسوق إلى بيان السبب،

فخذ مجملا منه:

إن الأفكار العقلية والعقائد الدينية، وسائر المعلومات والمدركات والوجدانيات

النفسية وإن كانت هي الباعثة على الأعمال، وعن حكمها تصدر بتقدير العزيز العليم

- لكن الأعمال تثبتها وتقويها وتطبعها في الأنفس وتطبع الأنفس عليها، حتى يصير

ما يعبر عنه بالملكة والخلق وتترتب عليه الآثار التي تلائمها.

نعم إن الإنسان إنسان بفكره وعقائده، إلا أن ما ينعكس إلى مرايا عقله من

مشاهد نظره ومدركات حواسه يؤثر فيه أشد التأثير، فكل شهود يحدث فكرا، وكل

فكر يكون له أثر في داعية، وعن كل داعية ينشأ عمل ثم يعود من العمل إلى الفكر،

ولا ينقطع العقل والانفعال بين الأعمال والأفكار ما دامت الأرواح في الأجساد،

وكل قبيل هو للآخر عماد.

إن للأخوة وسائر نسب القرابة صورة عند العقل، ولا أثر لها في الاعتصاب

والالتحام لولا ما تبعث به الضرورات، وتلجئ إليه الحاجات، من تعاون الأنسباء

والعصبة على نيل المنافع، وتضافرهم على دفع المضار، وبعد كرور الأيام على

المضافرة والمناصرة تأخذ النسبة من القلب مأخذا يصرفه في آثارها بقية الأجل،

ويكون انبساط النفس لعون القريب وغضاضة القلب لما يصيبه من ضيم أو نكبة

جاريا مجرى الوجدانيات الطبيعية، كالإحساس بالجوع والعطش، والري والشبع،

بل اشتبه أمره على بعض الناظرين فعده طبيعيا، فلو أهملت صلة النسب بعد ثبوتها

والعلم بها، ولم تدع ضرورات الحياة في وقت من الأوقات إلى ما يمكن تلك الصلة

ويؤكدها، أو وجد صاحب النسب من يظاهره في غير نسبه، أو ألجأته ضرورة

إلى ذلك، ذهب أثر تلك الرابطة النسبية، ولم يبق منها إلا صورة في العقل تجري

مجرى المحفوظات من الروايات والمنقولات، وعلى مثال ما ذكرنا في رابطة

النسب - وهي أقوى رابطة بين البشر - يكون الأمر في سائر الاعتقادات التي لها

أثر في الاجتماع الإنساني من حيث ارتباط بعضه ببعض. إن لم يصحب العقد

الفكري ملجئ الضرورة أو قوة الداعية إلى عمل تنطبع عليه الجارحة وتمرن عليه

ويعود أثر تكريره على الفكر حتى يكون هيئة للروح وشكلا من أشكالها - فلن يكون

منشأ لآثاره، وإنما بعد في الصور العقلية له رسم يلوح في الذاكرة عند الالتفات إليه

كما قدمنا.

بعد تدبر هذه الأصول البينة، والنظر فيها بعين الحكمة، يظهر لك السبب

في سكون المسلمين إلى ما هم فيه مع شدتهم في دينهم، والعلة في تباطؤهم عن

نصرة إخوانهم، وهم أثبت الناس في عقائدهم، فإنه لم يبق من جامعة بين

المسلمين في الأغلب إلا العقيدة الدينية مجردة عما يتبعها من الأعمال، وانقطع

التعارف بينهم، وهجر بعضهم بعضا هجرا غير جميل. فالعلماء وهم القائمون

على حفظ العقائد وهداية الناس إليها لا تواصل بينهم ولا تراسل، فالعالم التركي في

غيبة عن حال العالم الحجازي فضلا عمن يبعد عنهم، والعالم الهندي في غفلة عن

شئون العالم الأفغاني، وهكذا بل العلماء من أهل قطر واحد لا ارتباط بينهم، ولا

صلة تجمعهم إلا ما يكون بين أفراد العامة لدوع خاصة من صداقة أو قرابة بين

أحدهم وآخر، أما في هيئتهم الكلية فلا وحدة لهم، بل لا أنساب بينهم، وكل ينظر

إلى نفسه ولا يتجاوزها، كأنه كون برأسه.

كما كانت هذه الجفوة وذاك الهجران بين العلماء كانت كذلك بين الملوك

والسلاطين من المسلمين، أليس بعجيب أن لا تكون سفارة للعثمانيين في مراكش

ولا لمراكش عند العثمانيين؟ ‍! أليس بغريب أن لا تكون للدولة العثمانية صلات

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٢