تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في ذلك على ملوكهم وأمرائهم الجاهلين بكنه تأثير دسائس أعدائهم، وتسخيرهم

لمنع الجامعات الإسلامية والشرقية والعربية جميعا من حيث لا يشعرون، ولكن هذه

السياسة الخبيثة ستنتهي بالخيبة، ولن ينقذ الإنكليز من سوء عاقبة عداوتها للإسلام،

اصطناع بضعة رهط من زعماء العرب بعضهم لبعض عدو، وودهم كله سيبلى،

وهم عاجزون عن إقناع شعوبهم بصداقة الإنكليز لهم، مع احتلالها لأخصب

بلادهم وإلقائها للفتن بينهم، ولا هم قانعون بذلك فيقنعوا غيرهم، بل كل واحد منهم

يكابر نفسه ويتأول لها، ويخفي مودته ويتعذر عما ظهر منها، وإنما تنقذ الإنكليز

سياسة أخرى عموا عنها وصموا وقد نصحوا وأنذروا، لا أقول سياسة الصدق

والوفاء للعرب ‍! بل التحول عن محاولة استعبادهم من حدود برقة إلى العراق

وعمان، وقتل الإسلام في مشرق نوره ومواطن حضارته، مع القضاء على بلاد

الترك أمنع حصونه وأمضى أسلحته، فإن كان الترك قد أفلتوا من الشرك الذي وقع

فيه وحيد الدين، فسيفلت العرب مما وقع فيه أمثاله المخدوعين {ولتعلمن نبأه بعد

حين} (ص: 88) .

* * *

] واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا [[*]

من مقالات العورة الوثقى في الحث على الجامعة الإسلامية نشر منذ 40

سنة [1] .

إن للمسلمين شدة في دينهم، وقوة في إيمانهم، وثباتا على يقينهم، يباهون

بها من عداهم من الملل، وإن في عقيدتهم أوثق الأسباب لارتباط بعضهم ببعض.

ومما رسخ في نفوسهم أن في الإيمان بالله وما جاء به نبيهم صلى الله عليه وسلم

كفالة لسعادة الدارين، ومن حرم الإيمان فقد حرم السعادتين، ويشفقون على أحدهم

أن يمرق من دينه أشد مما يشفقون عليه من الموت والفناء، وهذه الحالة كما هي

في علمائهم متمكنة في عامتهم، حتى لو سمع أي شخص منهم في أي بقعة من

بقاع الأرض - عالما كان أو جاهلا - أن واحدا ممن وسم بسمة الإسلام في أي قطر،

ومن أي جنس صبأ عن دينه، رأيت من يصل إليه هذا الخبر في تحرق وتأسف

يلهج بالحوقلة والاسترجاع، ويعد النازلة من أعظم المصائب على من نزلت به،

بل وعلى جميع من يشاركه في دينه، ولو ذكرت مثل هذه الحادثة في تاريخ

وقرأها قارئهم بعد مئين من السنين، لا يتمالك قلبه من الاضطراب ودمه من

الغليان، ويستفزه الغضب ويدفعه لحكاية ما رأى كأنه يحدث عن غريب أو

يحكي عن عجيب.

المسلمون بحكم شريعتهم ونصوصها الصريحة مطالبون عند الله بالمحافظة

على ما يدخل في ولايتهم من البلدان، وكلهم مأمور بذلك لا فرق بين قريبهم

وبعيدهم، ولا بين المتحدين في الجنس ولا المختلفين فيه، وهو فرض عين على

كل واحد منهم، إن لم يقم قوم بالحماية عن حوزتهم كان على الجميع أعظم الآثام.

وحفظ الولاية: بذل الأموال والأرواح، وارتكاب كل صعب، واقتحام كل

خطب، ولا يباح لهم المسالمة مع من يغالبهم في حال من الأحوال حتى ينالوا الولاية

خاصة لهم من دون غيرهم، وبالغت الشريعة في طلب السيادة منهم على من يخالفهم

إلى حد لو عجز المسلم عن التملص من سلطة غيره، لوجبت عليه الهجرة من دار

حربه، وهذه قواعد مثبتة في الشريعة الإسلامية، يعرفها أهل الحق، ولا يغير منها

تأويلات أهل الأهواء وأعوان الشهوات في كل زمان.

المسلمون يحس كل واحد منهم بهاتف يهتف من بين جنبيه يذكره بما تطالبه به

الشريعة وما يفرض عليه الإيمان، وهو هاتف الحق الذي بقي له من إلهامات دينه،

ومع كل هذا نرى أهل هذا الدين في هذه الأيام بعضهم في غفلة عما يلم بالبعض

الآخر، ولا يألمون لما يا لم له بعضهم، فأهل بلوجستان كانوا يرون حركات

الإنكليز في أفغانستان على مواقع أنظارهم ولا يجيش لهم جأش ولم تكن لهم نعرة

على إخوانهم، والأفغانيون كانوا يشهدون الإنكليز في بلاد فارس ولا يضجرون ولا

يتململون. وإن جنود الإنكليز تضرب في الأراضي المصرية ذهابا وإيابا تقتل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١١