تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفارسية أن تعيش بدون إمام ففتشت عليه واستمرت تفتش حتى وجدته ولكن من

وجدت؟ وجدت أبا مسلم الخرساني وادعت بأن الألوهية حلت فيه. أي في قاتل

ستمائة ألف مسلم.

لا يتعجب العاقل من إسناد الإيرانيين الألوهية لأبي مسلم لأنه - والحق يقال -

بطل من أبطال التاريخ وسياسي هائل، وهو ليس أكثر من إيراني وطني متغال،

ولكن العجب كل العجب تقديس غير الإيرانيين له، والأحزاب التي ألفت لذلك.

حزب الرزامية:

إن قانون الشبهة الذي أحدثه الإمام إبراهيم لم يستثن أبا مسلم بل طبقه الخليفة

المنصور عليه بالذات، وعلى ذلك اجتمع بعض الفرس وبسطاء العرب وأعلنوا

إمامة أبي مسلم على رءوس الأشهاد وسموا جمعيتهم باسم (حزابي) ثم أعلن (رزام

بن شاقو) مؤسس الحزب الرزامي ألوهية أبي مسلم وقبل الناس ألوهية أبي مسلم

الذي صار إماما قبل مدة وجيزة حتى إن بعض الحزابين ما كان يصدق أن أبا مسلم

يموت بل كانوا يعتقدون بأنه سيظهر يوما ما ويملأ العالم عدلا وبعضهم كان يقول:

إنه مات، وإن الإمامة انتقلت إلى بنته.

ما هذه العقائد وما هذه الأقوال؟ إن هي إلا بقايا دين (زرادشت) وبمدة قليلة

كثر هذا الحزب.

جميع هذا الخرافات ليست من ديننا في شيء، إن هي إلا خرافات وما

أبو مسلم إلا سياسي تام وإمامته وألوهيته وقدسيته شيء موهوم خيالي.

حزب المبيضة:

ثم ظهر كاتب أبي مسلم المقنع فالتف حوله الخراسانيون الذين كانت أجسامهم

مسلمة وأرواحهم أسيرة عقائد (بوذا) و (زردشت) .

اسم المقنع (هاشم بن حاكم) وكان يغطي وجهه لقبحه، ولذلك سمي المقنع.

رأى المقنع بحرانا في أفكار الخراسانيين: رآهم مسلمين ولكن قواعد الإسلام

الساذجة لم توافق مشربهم، وطلب الرجوع إلى دين زردشت صعب وكذلك الاكتفاء

بالإسلام، بل هو عنده أصعب، ولذلك عزم على صبغ الإسلامية بصبغة زردشتية،

وهذا يحتاج لجسارة ومهارة، وبما أن هذا كان خصيصا بالعلوم الطبيعية أخذ يقدم

لهم قوانينها وقواميسها كمعجزات فصدقوه واتبعوه. وكانت أعماله معطوفة على هدم

بناء العرب السياسي والديني معا لذلك توسل بإحياء عقيدة الناسخ التي اكتست ثوبا

هنديا وآخر مصريا وثالثا يونانيا وثوبا رابعا إيرانيا ولكنه زاد على أثوابها ثوبا

خامسا إسلاميا، وللقارئ الكريم ما كان يقول هذا المقنع:

إن الله تجلى في بادئ الأمر في وجود آدم ثم انتقل إلى نوح ثم إلى إبراهيم

ومن بعده إلى موسى ثم إلى محمد عليهم السلام، ومن بعده إلى علي كرم الله وجهه،

ثم إلى محمد بن الحنفية وفي النهاية حل في أبي مسلم الخرساني، ومن بعده انتقل

إلى وجود المقنع.

إن هذه العقيدة القديمة وجد من استأنس بها في إيران وسورية ومصر والهند

والتف حوله عدد ليس بالقليل حتى إن الخليفة المهدي اضطر لأن يسوق عليه ثلاثة

جيوش، وكان الغالب في الثلاث المعارك المقنع، فهذا الظفر أطلق لسان الفرس

وطفقوا يلهجون بإيران واستقلالها. عندئذ جمع الخليفة المهدي جندا كثيفا، وأرسله

لحربه فغلب في هذه المرة وقتل المقنع في مدينة (كسن) ولكن الخرافات التي نشرها

بين المسلمين لم تمت.

وأما سبب تسميتهم المبيضة فهو أنهم كانوا يلبسون لباسا أبيض.

الزنادقة أو الحمرة:

هم من أتباع المقنع أيضا وكانوا يسمون الحمرة؛ لأنهم كانوا يلبسون لباسا

أحمر [3] لقد أضر المحمرة بالإسلام أضرارا أبلغ من أضرار المبيضة، وأدخلوا فيه

خرافات أكثر منهم وأتعبوا العرب والمسلمين أتعابا دامت أحقابا طويلة.

قبل الإسلام بقرنين ونصف ظهر في إيران رجل اسمه (مزدك) ونشر مذهبا

جديدا فيها. ومن مقتضيات هذا المذهب: إهمال كل قانون وكل نظام وحل جميع

الروابط الأدبية وفتح الباب على مصراعيه لكل شهوة بشرية، بذل الأكاسرة جل

المستطاع لقمع هذا المذهب ولكنهم لم يفلحوا؛ لأن الاشتراك بثروة الأغنياء

وبالنساء الجميلات كان يجذب الشبان من جميع الأطراف إليه، وانتشر هذا المذهب

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١١٢