تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والصوفية المستأخرون بعد القرون الثلاثة [2] وجمع أيضا في الأبواب مثل حقائق

التفسير ومثل أبواب التصوف الجارية على أبواب الفقه، ومثل كلامهم في التوحيد

والمعرفة والمحبة ومسألة السماع، وغير ذلك من الأحوال وغير ذلك من الأبواب.

وفيما جمعه فوائد كثيرة ومنافع جليلة وهو في نفسه رجل من أهل الخير والدين

والصلاح والفضل. وما يرويه من الآثار فيه من الصحيح شيء كثير، ويروي

أحيانا آثارا ضعيفة بل موضوعة يعلم أنها كذب.

وقد تكلم بعض حفاظ الحديث في سماعه، وكان البيهقي إذا روى عنه يقول:

حدثنا أبو عبد الرحمن من أصل سماعه. وما يظن به وبأمثاله - إن شاء الله تعالى -

تعمد الكذب [3] لكن لعدم الحفظ والإتقان يدخل عليهم الخطأ في الرواية، فإن النساك

والعباد منهم من هو متقن في الحديث مثل ثابت البناني والفضيل بن عياض

وأمثالهم ومنهم من قد يقع في بعض حديثه غلط وضعف مثل مالك بن دينار وفرقد

السنجي ونحوهما.

وكذلك ما يؤثره أبو عبد الرحمن عن بعض المتكلمين في الطريق أو ينتصر

له من الأقوال والأحوال فيه من الهدى والعلم شيء كثير. وفيه أحيانا من الخطأ

أشياء، وبعض ذلك يكون عن اجتهاد سائغ. بعضه باطل قطعا مصدره - مثل ما ذكر

في حقائق التفسير - قطعة كبيرة عن جعفر الصادق وغيره من الآثار الموضوعة

وذكر عن بعض طائفة أنواعا من الإشارات التي بعضها أمثال حسنة واستدلالات

مناسبة وبعضها من نوع الباطل واللغو، والذي جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن في

تاريخ أهل الصفة وأخبار زهاد السلف وطبقات الصوفية يستفاد منه فوائد جليلة

ويجتنب ما فيه من الروايات، ومن أهل الآراء والأذواق من الفقهاء والزهاد

والمتكلمة وغيرهم يؤخذ فيما يأثرونه عمن قبلهم، وفيما يذكرونه معتقدين له شيء

كثير وأمر عظيم من الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله. ويوجد أحيانا

عندهم من جنس الآراء والأذواق الفاسدة أو المحتملة شيء كثير، ومن له من الأمة

لسان صدق عام بحيث يثنى عليه ويحمد في جماهير أجناس الأمة فهؤلاء هم أئمة

الهدى ومصابيح الدجى وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم وعامته من موارد

الاجتهاد التي يعذرون بها وهم الذي يتبعون العلم والعدل فهم بعداء عن الجهل

والظلم وعن اتباع الظن وما تهوى الأنفس.

***

(فصل)

وأما حال أهل الصفة هم وغيرهم من فقراء المسلمين (الذين) لم يكونوا في

الصفة أو كانوا يكونون بها بعض الأوقات، فكما وصفهم الله تعالى في كتابه

حيث بين مستحقي الصدقة منهم ومستحقي الفيء. فقال: {إن تبدوا الصدقات فنعما

هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما

تعملون خبير} (البقرة: 271) إلى قوله: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله

لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم

لا يسألون الناس إلحافا} (البقرة: 273) وقال في أهل الفيء: {للفقراء

المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا

وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} (الحشر: 8) .

وكان فقراء المسلمين من أهل الصفة وغيرهم يكتسبون عند إمكان الاكتساب

الذي لا يصدهم عما هو أوجب أو أحب إلى الله من الكسب، وأما إذا أحصروا في

سبيل الله عن الكسب فكانوا يقدمون ما هو أقرب إلى الله ورسوله.

وكان أهل الصفة ضيف الإسلام يبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بما

يكون عنده، فإن الغالب كان عليهم الحاجة، لا يقوم ما يقدرون عليه من الكسب بما

يحتاجون إليه من الرزق.

وأما المسألة فكانوا فيها كما أدبهم النبي صلى الله عليه وسلم: حرمها على

المستغني عنها، وأباح منها أن يسأل الرجل حقه مثل أن يسأل ذا السلطان أن

يعطيه حقه من مال الله أو يسأل إذا كان لا بد سائلا الصالحين الموسرين إذا احتاج

إلى ذلك ونهى خواص أصحابه عن المسألة مطلقا حتى كان السوط يسقط من يد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٠٧