تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

السؤال والفتوى

تعدد الزوجات

(س20) نجيب أفندي قناوي أحد طلبة الطب في أمريكا: يسألني كثير من

أطباء الأمريكانيين وغيرهم عن الآية الشريفة {فانكحوا ما طاب لكم من النساء

مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} (النساء: 3) , ويقولوا: كيف

يجمع المسلم بين أربع نسوة؟ فأجبتهم على مقدار ما فهمت من الآية مدافعة عن

ديني، وقلت: إن العدل بين اثنتين مستحيل؛ لأنه عندما يتزوج الجديدة لا بد أن

يكره القديمة؛ فكيف يعدل بينهما؟ والله أمر بالعدل , فالأحسن واحدة. هذا ما قلته،

وربما أقنعهم، ولكن أريد منكم التفسير وتوضيح هذه الآية، وما قولكم في الذين

يتزوجون ثنتين وثلاثا؟

(ج) إن الجماهير من الإفرنج يرون مسألة تعدد الزوجات أكبر قادح في

الإسلام متأثرين بعاداتهم، وتقليدهم الديني، وغلوهم في تعظيم النساء بما يسمعون

ويعملون عن حال كثير من المسلمين الذين يتزوجون بعدة زوجات لمجرد التمتع

الحيواني من غير تقيد بما قيد القرآن به جواز ذلك، وبما يعطيه النظر من فساد

البيوت التي تتكون من زوج واحد وزوجات لهن أولاد يتحاسدون ويتنازعون

ويتباغضون. ولا يكفي مثل هذا النظر للحكم في مسألة اجتماعية كبرى كهذه المسألة

بل لا بد قبل الحكم من النظر في طبيعة الرجل، وطبيعة المرأة والنسبة بينهما من

حيث معنى الزوجية والغرض منها، وفي عدد الرجال والنساء في الأمم أيهما أكثر،

وفي مسألة المعيشة المنزلية، وكفالة الرجال للنساء أو العكس أواستقلال كل من

الزوجين بنفسه. وفي تاريخ النشوء البشري؛ ليعلم هل كان الناس في طور البداوة

يكتفون بأن يختص كل رجل بامرأة واحدة. وبعد هذا كله ينظر هل جعل القرآن

مسألة تعدد الزوجات أمرا دينيا مطلوبا، أم رخصة تباح للضرورة بشروط مضيق

فيها؟

أنتم معشر المشتغلين بالعلوم الطبيعية أعرف الناس بالفرق بين طبيعة الرجل

والمرأة، وأهم التباين بينهما. ومما نعلم بالإجمال أن الرجل بطبيعته أكثر طلبا

للأنثى منها له، وإنه قلما يوجد رجل عنين لا يطلب النساء بطبيعته، ولكن يوجد

كثير من النساء اللاتي لا يطلبن الرجال بطبيعتهن، ولولا أن المرأة مغرمة بأن

تكون محبوبة من الرجل، وكثيرة التفكير في الحظوة عنده؛ لوجد في النساء من

الزاهدات في التزوج أضعاف ما يوجد الآن. وهذا الغرام في المرأة هو غير الميل

المتولد من داعية التناسل في الطبيعية فيها وفي الرجل، وهو الذي يحمل العجوز

والتي لا ترجو زواجا على التزين بمثل ما تتزين به العذراء المعرضة، والسبب

عندي في هذا معظمه اجتماعي، وهو ما ثبت في طبيعة النساء واعتقادهن القرون

الطويلة من الحاجة إلى حماية الرجال وكفالتهم، وكون عناية الرجل بالمرأة على

قدر حظوتها عنده وميله إليها، أحس النساء بهذا في الأجيال الفطرية؛ فعملن له

حتى صار ملكة موروثة فيهن، حتى إن المرأة لتبغض الرجل ويؤلمها مع ذلك أن

يعرض عنها، ويمتهنها، وإنهن ليألمن أن يرين رجلا، ولو شيخا كبيرا أو راهبا

متبتلا، ولا يميل إلى النساء، ولا يخضع لسحرهن، ويستجيب لرقيتهن؛ ونتيجة

هذا أن داعية النسل في الرجل أقوى منها في المرأة فهذه مقدمة أولى.

ثم إن الحكمة الإلهية في ميل كل من الزوجين الذكر والأنثى إلى الآخر الميل

الذي يدعو إلى الزواج، هو التناسل الذي يحفظ به النوع , كما أن الحكمة في شهوة

التغذي هي حفظ الشخص، والمرأة تكون مستعدة للنسل نصف العمر الطبيعي

للإنسان وهو مائة سنة، وسبب ذلك أن قوة المرأة تضعف عن الحمل بعد الخمسين

في الغالب فينقطع دم حيضها , وبيوض التناسل من رحمها، والحكمة ظاهرة في

ذلك والأطباء أعلم بتفصيلها، فإذا لم يبح للرجل التزوج بأكثر من امرأة واحدة كان

نصف عمر الرجال الطبيعي في الأمة معطلا من النسل الذي مقصود الزواج؛ إذا

فرض أن الرجل يقترن بمن تساويه في السن، وقد يضيع على بعض الرجال أكثر

من خمسين سنة إذا تزوج بمن هي أكبر منه، وعاشا العمر الطبيعي، كما يضيع

على بعضهم أقل من ذلك إذا تزوج بمن هي أصغر منه، وعلى كل حال يضيع

عليه شيء من عمره، حتى لو تزوج، وهو في سن الخمسين بمن هي في الخامسة

عشرة يضيع عليه شيء من خمس عشرة سنة. وما عساه يطرأ على الرجال من

مرض أو هرم عاجل أو موت قبل بلوغ السن الطبيعي يطرأ مثله على النساء قبل

سن اليأس. وقد لاحظ هذا الفرق بعض حكماء الإفرنج فقال: لو تركنا رجلا واحدا

مع مائة امرأة سنة واحدة كاملة، فأكثر لجاز أن يكون لنا من نسله في السنة مائة

إنسان، وأما إذا تركنا مائة رجل مع امرأة واحدة سنة كاملة فأكثر ما يمكن أن يكون

لنا من نسلهم إنسان واحد، والأرجح أن هذه المرأة لا تنتج أحدا لأن كل واحد من

الرجال يفسد حرث الآخر. ومن لاحظ عظم شأن كثرة النسل في سنة الطبيعة وفي

حال الأمم يظهر له عظم شأن هذا الفرق. فهذه مقدمة ثانية.

ثم إن المواليد من الإناث أكثر من الذكور في أكثر بقاع الأرض. وترى

الرجال على كونهم أقل من النساء يعرض لهم من الموت والاشتغال عن التزوج

أكثر مما يعرض للنساء، ومعظم ذلك في الجندية والحروب، وفي العجز عن القيام

بأعباء الزواج ونفقاته لأن ذلك يطلب منهم في أصل نظام الفطرة، وفيما جرت

عليه سنة الشعوب، والأمم إلا ما شذ، فإذا لم يبح للرجل المستعد للزواج أن

يتزوج بأكثر من واحدة؛ اضطرت الحال إلى تعطيل عدد كثير من النساء ومنعهن

من النسل الذي تطلبه الطبيعة والأمة منهن، وإلى إلزامهن بمجاهدة داعية النسل في

طبيعتهن وذلك يحدث أمراضا بدنية وعقلية كثيرة يمسي بها أولئك المسكينات عالة

على الأمة وبلاء فيها , بعد أن كن نعمة لها، أو إلى إباحة أعراضهن والرضى

بالسفاح وفي ذلك من المصائب عليهن - لا سيما إذا كن فقيرات - ما لا يرضى به

ذو إحساس بشري. وإنك لتجد هذه المصائب قد انتشرت في البلاد الإفرنجية،

حتى أعيا الناس أمرها وطفق أهل البحث ينظرون في طريق علاجها فظهر لبعضهم

أن العلاج الوحيد هو إباحة تعدد الزوجات. ومن العجائب أن ارتأى هذا الرأي

غير واحدة من كاتبات الإنكليز، وقد نقلنا ذلك عنهن في مقالة نشرت في المجلد

الرابع من المنار (تراجع في ص741) وإنما كان هذا عجيبا؛ لأن النساء ينفرون

من هذا الأمر طبعا، وهن يحكمن بمقتضى الشعور والوجدان، أكثر مما يحكمن

بمقتضى المصلحة والبرهان، بل إن مسألة تعدد الزوجات صارت مسألة

وجدانية عند الرجال الإفرنج تبعا لنسائهم، حتى لنجد الفيلسوف منهم لا يقدر أن

يبحث في فوائدها وفي وجه الحاجة إليها بحث بريء من الغرض طالبا كشف

الحقيقة - فهذه مقدمة ثالثة.

وأنتقل بك من هذا إلى اكتناه حال المعيشة الزوجية، وأشرف بك على حكم

العقل والفطرة فيها، وهو أن الرجل يجب أن يكون هو الكافل للمرأة، وسيد

المنزل لقوة بدنه وعقله. وكونه أقدر على الكسب والدفاع، وهذا هو معنى قوله

تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا

من أموالهم} (النساء: 34) وأن المرأة يجب أن تكون مدبرة المنزل ومربية

الأولاد لرقتها وصبرها، وكونها كما قلنا من قبل واسطة في الإحساس والتعقل بين

الرجل والطفل؛ فيحسن أن تكون واسطة لنقل الطفل الذكر بالتدريج إلى الاستعداد

للرجولية، ولجعل البنت كما يجب أن تكون من اللطف والدعة والاستعداد لعملها

الطبيعي، وإن شئت فقل في بيان هذه المسألة أن البيت مملكة صغرى كما أن

مجموع البيوت هو المملكة الكبرى , فللمرأة في هذه المملكة إدارة نظارة الداخلية

والمعارف، وللرجل مع الرياسة العامة إدارة نظارات المالية والأشغال العمومية

والحربية والخارجية، وإذا كان من نظام الفطرة أن تكون المرأة في البيت، وعملها

محصورا فيه لضعفها عن العمل الآخر بطبيعتها، وبما يعوقها من الحبل والولادة،

ومداراة الأطفال، وكانت بذلك عالة على الرجل، كان من الشطط تكليفها بالمعيشة

الاستقلالية، بله السيادة والقيام على الرجل. وإذا صح أن المرأة يجب أن تكون في

كفالة الرجل , وأن الرجال قوامون على النساء كما هو ظاهر فماذا نعمل والنساء

أكثر من الرجال عددا؟ ألا ينبغي أن يكون في نظام الاجتماع البشري أن يباح

للرجل الواحد كفالة عددة نساء عند الحاجة إلى ذلك لا سيما في أعقاب الحروب التي

تجتاح الرجال، وتدع النساء لا كافل للكثير منهن ولا نصير؟ ويزيد بعضهم على

هذا أن الرجل في خارج المنزل يتيسير له أن يستعين على أعماله بكثير من الناس،

ولكن المنزل لا يشتمل على غير أهله، وقد تمس الحاجة إلى مساعد للمرأة على

أعماله الكثيرة كما تقضي قواعد علم الاقتصاد في توزيع الأعمال، ولايمكن أن

يكون من يساعدها في البيت من الرجال، لما في ذلك من المفاسد فمن المصلحة على

هذا أن يكون في البيت عدة نساء مصلحتهن عمارته - كذا قال بعضهم - فهذه

مقدمة رابعة.

وإذا رجعت معي إلى البحث في تاريخ النشوء البشري في الزواج والبيوت

(العائلات) أو في الازدواج والإنتاج، نجد أن الرجل لم يكن في أمة من الأمم يكتفي

بامرأة واحدة كما هو شأن أكثر الحيوانات، وليس هذا بمحل لبيان السبب الطبيعي

في ذلك، بل ثبت بالبحث أن القبائل المتوحشة كان فيها النساء حقا مشاعا للرجال

بحسب التراضي، وكانت الأم هي رئيسة البيت , إذ الأب غير متعين في الغالب،

وكان كلما ارتقى الإنسان يشعر بضرر هذا الشيوع والاختلاط , ويميل إلى

الاختصاص؛ فكان أول اختصاص في القبيلة أن يكون نساؤها لرجالها دون رجال

قبيلة أخرى، وما زالوا يرتقون حتى وصلوا إلى اختصاص الرجل الواحد بعدة نساء

من غير تقيد بعدد معين، بل حسب ما يتيسر له فانتقل بهذا تاريخ البيوت

(العائلات) إلى دور جديد، صار فيه الأب عمود النسب وأساس البيت كما بين ذلك

بعض علماء الألمان والإنكليز المتأخرين في كتب لهم في تاريخ البيوت (العائلات) ,

ومن هنا يزعم الإفرنج أن نهاية الارتقاء هو أن يختص الرجل الواحد بامرأة

واحدة وهو مسلم، وينبغي أن يكون هذا هو الأصل في البيوت، ولكن ماذا يقولون

في العوارض الطبيعية والاجتماعية التي تلجئ إلى أن يكفل الرجل عدة من النساء

لمصلحتهن، ومصلحة الأمة، ولاستعداده الطبيعي لذلك؟ وليخبرونا: هل رضي

الرجال بهذا الاختصاص وقنعوا بالزواج الفردي في أمة من الأمم إلى اليوم؟ أيوجد

في أوربا في كل مائة ألف رجل لا يزني؟ كلا، إن الرجل بمقتضى طبيعته

وملكاته الوراثية لا يكتفي بامرأة واحدة؛ إذ المرأة لا تكون في كل وقت مستعدة

لغشيان الرجل إياها، كما أنها لا تكون في كل وقت مستعدة لثمرة هذا الغشيان

وفائدته، وهو النسل، فداعية الغشيان في الرجل لا تنحصر في وقت دون وقت،

ولكن قبوله من المرأة محصور في أوقات، وممنوع في غيرها. فالداعية الطبيعية

في المرأة لقبول الرجل إنما تكون مع اعتدال الفطرة عقيب الطهر من الحيض،

وأما في حال الحيض، وحال الحمل والأثقال فتأبى طبيعتها ذلك، وأظن أنه لولا

توطين المرأة نفسها على إرضاء الرجل، والحظوة عنده، ولولا ما يحدثه التذكر

والتخيل للذة وقعت في إبانها من التعمل لاستعادتها - لا سيما مع تأثير التربية

والعادات العمومية - لكان النساء يأبين الرجال في أكثر أيام الطهر التي يكن فيها

مستعدات للعلوق الذي هو مبدأ الإنتاج. ومن هذا التقرير يعلم أن اكتفاء الرجل

بامرأة واحدة تستلزم أن يكون في أيام طويلة مندفعا بطبيعته إلى الإفضاء إليها،

وهي غير مستعدة لقبوله، أظهرها أيام الحيض والإثقال بالحمل والنفاس، وأقلها

ظهور أيام الرضاع لا سيما الأولى والأيام الأخيرة من أيام طهرها، وقد ينازع في

هذه لغلبة العادة فيها على الطبيعة.

وأما اكتفاء المرأة برجل واحد، فلا مانع منه

في طبيعتها ولا لمصلحة النسل , بل هو الموافق لذلك؛ إذ لا تكون المرأة في حال

مستعدة فيها لملامسة الرجل، وهو غير مستعد ما داما في اعتدال مزاجهما، ولا

نذكر المرض؛ لأن الزوجين يستويان فيه، ومن حقوق الزوجية وآدابها أن يكون

لأحدهما شغل بتمريض الآخر في وقت مصابه عن السعي وراء لذته. وقد ذكر عن

بعض محققي الأوربيين أن تعدد الأزواج الذي وجد في بعض القبائل المتوحشة كان

سببه قلة البنات لوأد الرجال إياهن في ذلك العصر - فهذه مقدمة خامسة.

بعد هذا كله أجل طرفك معي في تاريخ الأمة العربية قبل الإسلام؛ تجد أنها

كانت قد ارتقت إلى أن صار فيها الزواج الشرعي هو الأصل في تكون البيوت،

وأن الرجل هو عمود البيت وأصل النسب , وأن تعدد الزوجات لم يكن محدودا

بعدد، ولا مقيدا بشرط، وأن اختلاف عدة رجال إلى امرأة واحدة يعد من الزنا

المذموم، وأن الزنا على كثرته يكاد يكون خاصا بالإماء، وقلما يأتيه الحرائر إلا

أن يأذن الرجل لامرأته بأن تستبضع من رجل يعجبها ابتغاء نجابة الولد ? وأن

الزنا لم يكن معيبا ولا عارا صدوره من الرجل، وإنما يعاب من حرائر النساء.

وقد حظر الإسلام الزنا على الرجال والنساء جميعا حتى الإماء , فكان من الصعب

جدا على الرجال قبول الإسلام والعمل به مع هذا الحجر بدون إباحة تعدد الزوجات،

ولولا ذلك لاستبيح الزنا في بلاد الإسلام، كما هو مباح في بلاد الإفرنج. فهذه مقدمة

سادسة.

ولا تنس مع العلم بهذه المسائل أن غاية الترقي في نظام الاجتماع وسعادة

البيوت (العائلات) أن يكون تكون البيت من زوجين فقط، يعطي كل منها الآخر

ميثاقا غليظا على الحب والإخلاص والثقة والاختصاص , حتى إذا ما رزقا أولادا

كانت عنايتهما متفقة على حسن تربيتهم ليكونوا قرة عين لهما , ويكونا قدوة صالحة

لهم في الوفاق والوئام والحب والإخلاص - فهذه مقدمة سابعة.

فإذا أنعمت النظر في هذه المقدمات كلها، وعرفت أصلها؛ تنجلي لك هذه

النتيجة أو النتائج: هي أن الأصل في السعادة الزوجية، والحياة البيتية هو أن

يكون للرجل زوجة واحدة، وأن هذا غاية الارتقاء البشري في بابه والكمال الذي

ينبغي أن يربى الناس عليه ويقتنعوا به، وأنه قد يعرض له ما يحول دون أخذ

الناس كلهم به، وتمس الحاجة إلى كفالة الرجل الواحد أكثر من امرأة واحدة، وأن

ذلك قد يكون لمصلحة الأفراد من الرجال , كأن يتزوج الرجل بامرأة عاقر فيضطر

إلى غيرها لأجل النسل، ويكون من مصلحتها أو مصلحتهما معا أن لا يطلقها

وترضى بأن يتزوج بغيرها لا سيما؛ إذا كان ملكا أو أميرا أو تدخل المرأة في سن

اليأس , ويرى الرجل أنه مستعد للإعقاب من غيرها، وهو قادر على القيام بأود

غير واحدة وكفاية أولاد كثيرين وتربيتهم، أو يرى أن المرأة الوحدة لا تكفي

لإحصانه؛ لأن مزاجه يدفعه إلى كثرة الإفضاء ومزاجها بالعكس , أو أن تكون فاركا

منشاصا (أي تكره الزوج) أو يكون زمن حيضها طويلا ينتهي إلى خمسة عشر

يوما في الشهر، ويرى نفسه مضطرا لأحد الأمرين التزوج بثانية، أو الزنا الذي

يضيع الدين والمال والصحة، ويكون شرا على الزوجة من ضم واحدة إليها مع

العدل بينهما كما هو شرط الإباحة في الإسلام , ولذلك استبيح الزنا في البلاد التي

منع فيها التعدد بالمرة.

وقد يكون التعدد لمصلحة الأمة كأن تكثر فيها النساء كثرة فاحشة كما هو

الواقع في كل البلاد الإنكليزية , أو تقع حرب مجتاحة تذهب بالألوف الكثيرة من

الرجال فيزيد عدد النساء زيادة فاحشة تضطرهن إلى الكسب والسعي في حاج

الطبيعة، ولا بضاعة لأكثرهن في الكسب إلا أبضاعهن. وإذا هن بذلنها فلا يخفى

على الناظر ما وراءها من الشقاء على المرأة لا كافل لها إذا اضطرت إلى القيام

بأود نفسها، وأود ولد ليس له والد، لا سيما عقيب الولادة ومدة الرضاعة، بل

الطفولية كلها. وما قال من قال من كاتبات الإنكليز بوجوب تعدد الزوجات إلا بعد

النظر في حال البنات اللواتي يشتغلن في المعامل وغيرها من الأماكن العمومية ,

وما يعرض لهن من هتك الأعراض والوقوع في الشقاء والبلاء، ولكن لما كانت

الأسباب التي تبيح تعدد الزوجات هي ضرورات تتقدر بقدرها، وكان الرجال إنما

يندفعون إلى هذا الأمر في الغالب إرضاء للشهوة لا عملا بالمصلحة، وكان الكمال

الذي هو الأصل المطلوب عدم التعدد؛ جعل التعدد في الإسلام رخصة لا واجبا ولا

مندوبا لذاته، وقيد بالشرط الذي نطقت به الآية الكريمة , وأكدته تأكيدا مكررا

فتأملها.

قال تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من

النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى

ألا تعولوا} (النساء: 3) ... إلخ؛ فأنت ترى أن الكلام كان في حقوق الأيتام،

ولما كان في الناس من يتزوج باليتيمة الغنية ليتمع بمالها، ويهضم حقوقها لضعفها،

حذر الله من ذلك وقال: إن النساء أمامكم كثيرات , فإذا لم تثقوا من أنفسكم

بالقسط في اليتامى إذا تزوجتم بهن فعليكم بغيرهن، فذكر مسألة التعدد بشرطها

ضمنا لا استقلالا، والإفرنج يظنون أنها مسألة من مهمات الدين في الإسلام ثم قال:

﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة﴾ (النساء: 3) , ولم يكتف بذلك حتى قال: {ذلك

أدنى ألا تعولوا} (النساء: 3) أي أن الاكتفاء بواحدة أدنى وأقرب لعدم

العول، وهو الجور والميل إلى أحد الجانبين دون الآخر , من عال الميزان إذا مال،

وهو الأرجح في تفسير الكلمة، فأكد أمر العدل، وجعل مجرد توقع الإنسان عدم

العدل من نفسه كاف في المنع من التعدد، ولا يكاد يوجد أحد يتزوج بثانية لغير

حاجة وغرض صحيح يأمن الجور؛ لذلك كان لنا أن نحكم بأن الذواقين الذين

يتزوجون كثيرا لمجرد التنقل في التمتع يوطنون أنفسهم على ظلم الأولى، ومنهم

من يتزوج لأجل أن يغيظها ويهينها، ولا شك أن هذا محرم في الإسلام لما فيه من

الظلم الذي هو خراب البيوت، بل وخراب الأمم، والناس عنه غافلون باتباع

أهوائهم.

هذا ما ظهر لنا الآن في الجواب، كتبناه بقلم العجلة على أننا كنا قد أرجأنا

الجواب لنمعن في المسألة، ونراجع كتابا أو رسالة في موضوعها لأحد علماء

ألمانيا قيل لنا: إنها ترجمت وطبعت فلم يتيسر لنا ذلك فإن بقي في نفس السائل

شيء فليراجعنا فيه والله الموفق والمعين.

* * *

الأعطار الإفرنجية والكحول

طهارتها

(س21) أحمد أفندي عزمي بمصر:

الأستاذ يعلم أن أنواع الأعطار المستحضرة بمعامل أوربا شغلت حيزا كبيرا

جدا في ميدان التجارة. وعلى تلك النسبة شاع استعمالها بين العموم خصوصا

العائلات، ولا أزيد الأستاذ علما بأني ربما جاورت في بعض صفوف الصلاة

رجالا قد عم المسجد روائح ما بأجسامهم وملابسهم من تلك الأعطار، على أننا نعلم

من الفن ومن المشاهدة أن تلك المستحضرات جميعا يدخلها الكؤول (إسبرتو) ،

ويقولون: إن الكؤول نجس بإجماع المذاهب الأربعة لتخمره، وهو ينتج نجاسة

كافة أنواع هذه الأعطار؛ فإذا صحت هذه النتيجة تبعا لصحة المقدمة تكون مصيبة

الأمة الإسلامية من ذلك عظيمة جدا، ولا غرابة في ذلك؛ إذا علمنا أن الطهارة

شرط في كثير من العبادات على أن الكل - يعني كل المسلمين - واقعون في

هذه المصيبة، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا.

فهل للأستاذ - حفظه الله للإسلام - أن يخوض هذا الموضوع، ويهدينا فيه

إلى سواء السبيل فإن كنا مصيبين ثبتنا على ما نحن عليه , وإلا أعلنتم ذلك الخطأ

العام , والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. والله يحفظكم لنا.

(ج) إن هذه الأعطار طاهرة، ومعاذ الله أن يجعل دين الفطرة الطيب

قذارة، وقد بينا ذلك بالتفصيل في المجلد الرابع من المنار، وقد انتقد ذلك جاهل،

فرددنا عليه في نبذتين عنوانهما (طهارة الكحول. والرد على ذي فضول)

فليراجع ذلك كله (في ص 500 و821 و 866)

* * *

حضور عبادة النصارى

(س 22) أ. ف. في أسيوط يقيم المبعوثون الأمريكانيون في مدارسهم

حفلة سنوية يلقي فيها التلامذة خطبا علمية ومناظرات أدبية , ويدعون لحضور

هذه الحفلة من شاءوا من المسلمين وغيرهم، ومن المعلوم أنهم في أول كل عمل

لهم صلاة دينية كالتي يقيمونها عند افتتاح الحفلة. وهذه الصلاة عبارة عن

دعاء يطلبون به من المسيح بصفته ابنا لله وفاديا للناس (نعوذ بالله) أن يبارك

الحفلة والمحتفلين. فهل يجوز للمسلمين إجابة هذه الدعوة، وحضور هذه الحفلة ?

وعند الصلاة يقفون جميعا بهيئة هذه الصلاة، فهل يجوز قيام المسلمين معهم مجاراة

لهم؟ ثم إذا لم يقفوا، هل عليهم في سماع هذه الألفاظ وهذا الدعاء من حرج؟

أفتونا ولكم الفضل.

(ج) مجاراة المسلم لغير المسلم وتشبهه به في عمل من أعمال دينه

الخاصة به لا يجوز بحال، والمنصوص في كتب الفقه أنه يعتبر ردة، وخروجا من

الإسلام إذا كان بحيث يشتبه بهم، ويظن أنه منهم، وأما مجرد رؤية صلاتهم ,

وسماع دعائهم من غير مشاركتهم فيه فلا يحرم، إلا على من يخشى عليه أن يميل

إلى دينهم من الأطفال ونحوهم، ودعاء غير الله شرك في الإسلام وإن كان ما

يدعى به خير، وقال الفقهاء: إن الرضى بالشرك شرك، ولكن ما كل متفرج

على شيء يرضى به، وما زال المسلمون في السلف والخلف يطلعون على عبادات

أهل الملل كلهم، ولم نعلم أن أحدا من الأئمة حرم ذلك، أو أنه ورد في الكتاب أو

السنة حظر له، وقد بلغنا أن بعض جهال المسلمين الذين يحضرون احتفالاتهم في

المدارس وغيرها يتشبهون بهم في صلاتهم، ويجارونهم فيها , ولكنك لا تجد من

الذين دفعتهم الأهواء إلى تحريم ما أحل الله من طعام ولباس؛ لأنه تشبه بالنصارى

على زعمهم - وما التشبه في المباح بردة ولا محرم إن فرض - لا ينكرون على

الجهال عملهم هذا، ولا يقولون كلمة في نصيحتهم (وأهواء النفس ضروب) .

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٧ · الصفحة ٢٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٧ · ص ٢٣١